تبوأتُ منصبًا دوليًا رفيعًا، وأكاديميًا مثله في مجال طب النساء، لكن أوقات الفرحة تمر بنا كومض البرق، فكان الزائر الغريب يعد عُدَّته لاختطاف ابتسامتي دون أن أشعر بخطاه الخفيفة داخل صدري.. ففي أحد أيام العام 6002م، وتحديدًا في اليوم الثاني عشر من شهر إبريل - وهو أيضًا يوم مولدي - كنتُ أجلس بعد تناول الغذاء بغرفتي، فلامست يدي مصادفة كتلةً في صدري، شعرت بحاسَّتي الطبيَّة أنني على شفا سر مخيف، وتأكدت أن شبح المرض القاتل بدأ يتسلل إلى جسدي، وتأكدت من كثرة العُقد الليمفاوية تحت الذراع فأدركت حينها أن الله يسوقني إلى سرطان الثدي أو يسوقه لي، وعلي أن أواجهه برضا تام..

وجدتني أدور في الغرفة مثل نحلة تستعد للدغة الرحيل، ممتلئة بالدعاء في ثبات أمام العدو المقنَّعِ، وانتابني طمعٌ في أجر الصبر مُتحيِّرةً بينه والألم المنتظر والمصير المحتوم، لكنني اعتبرتُه كي أُخلِّص نفسي من الحيرة رسالةَ حب من الخالق بعثها لي من الغيب في صورة «سرطان».

لكن الأخطر من السرطان كان السؤال الذي يتردد بداخلي، وهو كيف أُخبر مَن حولي من الأسرة؟.. كيف يكون وقع الصدمة على قلوب أبنائي؟، وبالتدريج بدأت الإجابات تتوالى مني إليهم باختلاق قصص، فمرة أحكي لهم أن لديَّ صديقة أُصيبت بالسرطان وشُفيت منه بعد فترة بالعزم والإرادة، ومرة ثانية أحكي عن أحد الأقارب.

إلى أن جاء وقت الفحوصات الطبية التي لا رجعة بعدها في الشك، فوجدت أن الوقت ملائم لإخبار الجميع بمرضي القاتل، وبالفعل جاء اليقين ولا بد من الاعتراف به دون خجل أو خوف، فلا خوف من شيء بعد انتظار الموت، وكانت لحظة الاعتراف للأبناء موقعة أولى بيني والسرطان، وانتصرت فيها حين وجدت منهم ثباتًا لا يقل عن ثباتي أمام الموت المنتظر.

«ستستمر الحياة دون شك»، كنتُ أناجي نفسي بهذه العبارة، لذا كان الاجتهاد في العمل ضروريًا، فخصصت يومًا أو اثنين لجرعة الكيماوي المؤلمة، والتي أحيانًا كان يصادفها سوء حظ بأن يكون لدي حالة ولادة حرجة في عيادتي، وكنت أضطر وقتها لتلبية نداء واجب العمل رغم ألم العلاج الكيماوي، لكن إصراري على العمل كان يشعرني بالراحة لإسهامي في مساعدة المريضات.

النهاية قادمة لا محالة بعد أن كانت خارج مجال الرؤية قبل اكتشاف المرض، فلم أعد أفكر سوى بأبنائي الذين عمَّا قليلٍ سأتركهم وحيدين في الدنيا، لكن عليَّ واجب آخر لا بد منه لأولئك الذين لا يعلمون خبايا السرطان، ولا أعلم هل سيكفي الوقت أم لا؟.

سقط الشَّعر ولم أعد الأنثى التي كانت، صرتُ شاحبة مثل ليمونة فقدت نضارتها، ولعل أقسى مراحل العلاج الكيماوي بالنسبة للمرأة هي فقدان الشعر، فالشعر عند الأنثى تاج تضعه على رأسها.. هو عنوانها وأنوثتها وكيانها، ويوم بدأ شعري في السقوط كنت بانتظار ذلك، إلا أنه أشعرني بألم بالغ كما لو كنت أفقد جزءًا من داخلي، كما لو كانت كل شعرة تنسلخ عني وتتركني أبكي رحيلها، فلما صرت أمسك بخصلات الشعر وأجدها تتساقط في يدي سألت ابنتي «إسراء» ذات التسعة أعوام وقتها وقلت لها: «ما رأيك في هذه الخصلات التي تتساقط؟»..

فأجابتني إجابة لن أنساها ما حييت قائلة: «هذه حسنات يا ماما».. وهكذا تعلمت من صغيرتي أن أرى في كل شعرة حسنة، وأدعو الله أن تكون كذلك، وبعد يومين لم يعد يجدي الانتظار أكثر من ذلك، فاشتريت ماكينة حلاقة للتخلص مما تبقى من شعر، وأخذ ابني «عبدالله» وابنتي «إسراء» يساعداني في حلاقة رأسي وابنتي «سوزان» تصورنا بكاميرا الفيديو..

وهكذا حولنا الحزن إلى حفلة نحتفل بها لنخفف بها عناء الأمر على هؤلاء الصغار، وجب الضحك على ألم السرطان ومخادعته مثلما فعل مع جسدي، «فلنحتفل بالحزن مثلما نحتفل بالفرحة»، هكذا كنت أردد أمام أبنائي إلى أن استوعبوا الأمر وشاركوني فرحتي المؤلمة، فوجدت ابني يقول لي: «أصبحتِ تشبهينني يا ماما»، وسمعت ابنتي «سوزان» تضحك وتقول: «صرتِ مثل الممثلة «ديمي مور» عندما حلقتْ شعرها في الفيلم.. ما رأيك أن نحلق جميعًا مثلك؟».

سيأتي الموت بالمرض ومن دونه، فلنقاوم إذًا، لكن أين تختبئ بداخلنا هذه المقاومة؟.. إنها لن تظهر ما دُمنا نخجل من مرضنا وكأنه وصمة عار، لذا حرصتُ على نشر تجربتي عبر مقالات في عمودي الأسبوعي بجريدة «المدينة» السعودية، لتكون مدخلاً لفهمنا للإيمان بالقضاء والقدر، وجاءت الاستجابة في يوم 9 أغسطس من العام 6002، حين طرقتْ باب عيادتي فتاةٌ لم تترك اسمها، وأعطت الممرضة التي تساعدني باقةَ وردٍ ومجموعة رسائل من فتياتٍ قُلن فيها: «نحن في مقتبل العمر تعلَّمنا من سطورك ما عجزت مدارسنا وجامعاتنا وأمهاتنا عن تعليمنا إيَّاه.. تعلَّمنا الإيمان بالموت قبل الحياة، فقد سمعنا عن القضاء والقدر والإيمان بهما لكننا لم نجرِّبه عمليًا، وجئنا لنقول لك: شكرًا على الدرس العملي!، ونقول معك: شكرًا للحياة! قبل أن نلعنها مع الأزمات».

ومن أهم ركائز الدعم النفسي التي جعلتني انتصر في معركتي مع السرطان هي تواجد شخص حبيب إلى قلبي، لعب في أزمتي محور الدعم النفسي لي وهو خالي، والذي لولا احتواؤه لي ودعمه النفسي لما استطعت مواصلة هذه الحرب على هذا المرض، وهذا يؤكد أن كل مريض في حاجة إلى من يخفف عنه أجواء المرض، ويرفع من معنوياته، يشعل في روحه جذوة الأمل، فلمسة الحنان هذه احتياج لنا جميعًا بجرعات متنوعة والحالة النفسية عنصر أساسي في المقاومة.

القاهرة - دار الإعلام العربية