الجمعية، العيادة، المسحر، الفريج.. أمكنة وشخصيات. عوالم وحكايات وأحلام صغار وأمان كبار. حياة يومية صاخبة نعيشها في دبي كل يوم، ويأتي شهر رمضان لكي يزيدها صخبا وحياة. وفي الوقت الذي تصور فيه الكثير من الأعمال المعروضة، والتي تتنوع بين الدرامي والكوميدي، عوالم دبي وحكاياتها، وفي بعض الأحيان أسرار بيوتها، يأتي عمل غنائي من توقيع مدير قناة سما دبي أحمد المنصوري، لكي يغرد خارج السرب.
لا ينقص اوبريت «أحوال الناس» الذي يحشد عددا كبيرا من وجوه الشاشة المحلية، اعلاميا وغنائيا ومسرحيا، مقومات العمل الدرامي لكي تتم استضافته في هذه الزاوية التي اعتاد القراء على استعراض مسلسلات رمضان يوميا فيها منذ بداية الشهر الكريم. بل يكاد يكون عملا دراميا غنائيا مبدعا، يذكرنا دوما بالمطلب الذي يلح علينا وهو ابتكار دراما غنائية، على غرار تجربة السينما الغنائية، تقدم الحكايات في قالب غنائي.
ويكاد المنصوري، وعبر هذا الاوبريت وغيره من الاعمال التي قدمها سابقا، يذكرنا كل عام بقدرة الانتاج المحلي للوصول الى هذا الفن الذي لطالما استعصى على كثر في الدراما العربية.بداية، يبدو اختيار الشخصيات الدرامية صائبا، اذ أن دبي تظهر في الأوبريت كما هي في الواقع، مكانا يتسع لجميع الجنسيات، وبينها العربية بشكل خاص التي يشكل شهر رمضان مناسبة احتفاء خاصة بالنسبة لها.
تظهر اللهجات المصرية والعراقية والشامية في مشهد النساء اللواتي يتضاربن في «الجمعية»، من أجل الحصول على السلع الغذائية، ويقوم المخرج باظهار كل شخصية بطريقة مختلفة تشبه الثقافة التي تتحدر منها، فنشعر بهذه التعددية في لحظات وجيزة، وهذا ان دل على شيء فعلى قدرة التكثيف، ومتانة رسم الشخصية، وتوصيل ملامحها في لحظات من دون تطويل أو مط.
كذلك، فإن المتأمل في مضمون عبارات النساء الثلاثة من الامارات ومصر والعراق، يتبدى له صدقها وقربها من الواقع وملامستها لقضايا واقعية، بدءا من غلاء الأسعار وصولا الى اهتمام الناس المتزايد بالاغذية الصحية ، «منزوعة الدسم»، على حد قول الشخصية المصرية التي يظهر وزنها تناقضا صريحا اراده المخرج مع خياراتها الغذائية بسؤالها عن المنتج الـ«لو فات».
وبالانتقال الى مشهد العيادة، يقدم المبدع مرعي الحليان، الذي يلعب دور الطبيب متفقد الحالات الرمضانية، لقطة مؤثرة للغاية، تفجر الضحك كلما عرض الأوبريت. فهو الطبيب الرصين، للوهلة الأولى، الذي يعرض نفسه مع فريقه كأنه على خشبة المسرح (الخشبة التي ما فتئ الحليان يبدع عليها)، فيتوقع المشاهد أن تلك الرصانة ستستمر، لكي يفاجأ (والكوميديا الحقيقية دوما قائمة على المفاجأة لا الافتعال) لأن الطبيب يرقص ويهز مع الموسيقى، بطريقة تشبه صف عسكر خرج عن وقاره ومال يمينا ويسارا.
يبدو الحليان، في هذا الدور، الطبيب المستاء من جهل المرضى، الذين يشربون ويأكلون ويشاهدون التلفاز بطريقة غير صحية، ثم يشتكون. يذكر أداء الحليان في هذه اللقطة بمشاهد عملاقة في تاريخ السينما العربية أداها ثلاثي اضواء المسرح والدكتور شديد والخواجة بيجو وغيرهم، مع التأكيد على الفرادة «الحلياني» التي لا تختفي حتى في مشهد من دقيقة واحدة.
ايقاظ الأطفال للمسحر، فيه رسالة ذكية، تدل على تبدل الأمور وانقلاب المعادلات في العصر الذي بتنا نعيشه، ويقوم المخرج مرة جديدة باللعب على حبكة المفارقة، فيفجر ضحكنا أيضا، في مشهد استيقاظ المسحر، الذي يتوجب عليه أن يوقظ الناس بدل أن يتم ايقاظه.
وقد كان ظهور الأطفال، الذين بدوا مدربين على التمثيل والانسجام مع الايقاع، محببا في الاوبريت، الذي يختم بمشهدهم يتحلقون حول المسحر، فلا رمضان من دون بهجة أطفال. ويعد هذا الأوبريت الرمضاني الرابع الذي يقدمه المنصوري حيث سبق له ان قدم العديد من الوجوه والممثلين في أعمال رمضانية سابقة، وهذا العام يواصل إعادة اكتشاف المواهب وتقديمها بأسلوب جديد بداية من اللوحة الأولى وهي إعلان ثبوت رؤية الهلال وبداية الفرحة بين الناس وهي من أداء الفنان هزّاع والفنانة اليازية، الذين جاء أداؤهما قريبا من القلب وهادئا ويتلاءم مع أجواء الاوبريت والشهر الكريم.
زوايا الاخراج، الاضاءة، حركة الممثلين الرئيسيين وجموع «الكورس»، جاءت متينة وتنم عن احساس بالموسيقى وانسجام بين حركة الكاميرات ورقة الغناء والمعاني العاطفية. «احوال الناس» الذي يعرض يوميا على قناة سما دبي، عمل يستحق بأن يكون، بالفعل، فاكهة الترفيه في رمضان على قنواتنا المحلية، وصورة حية لانشغالات الناس في المدينة، يتعرف عليها المشاهد العربي.
دبي - ابراهيم توتونجي



