نسيتُ أنني كنتُ أحلم وأنا صغيرة بأن أعيش في أمان، فبقيت أنتظره حين يطرق بابي، وقد جاء بالفعل في صورة فارس طار بي على جناح الحب، رحَّبت به فاتحةً أبواب القلب، وكانت ثمرة زواجنا ابنتي »صابرين« طفلة تروق لها العين والروح، لكن الشَّمل لم يبق على حاله؛ لأنني اختلفت مع زوجي وقررنا الانفصال في هدوء دون حساب لمصير هذه الابنة، بعد أن وصلنا إلى طريق مسدود في التفاهم، فغالبًا ما يفرض المصير نفسه على الإنسان مهما حاول أن ينجو بسفينته من الطوفان.

عشتُ مع ابنتي ورأيتها تكبر أمامي وفي كل لحظة يتحوّل اهتمامي من نفسي إليها أكثر، فتصير هي الهدف من الحياة، لكن الماضي يظل يؤرقني والمستقبل يُخيفني بظلامه، فبقيت معها وحيدتين في عالم واسع لا يرحم جلاَّده.

ولأننا في مجتمع لا يعترف بحق المطلقة في الحياة، فقد أُجبرت على الارتباط بشاب يصغرني بـ 51 عامًا، كان اسمه »رامي«، أُعجبت به أسرتي لإصراره على الزواج مني وأنا مطلقة ولدي ابنة، ورغم رفضي الارتباط به على غرار مَن سبقوه، فإنني رضخت في النهاية لرغبة الأسرة وحلم الاستقرار مع زوج يحبني، فصحت الآمال القديمة وشفع لي جمالي أمام وسامته وصغر سنه، وانهار حلم تربية ابنتي وتكريس حياتي من أجلها، وقلتُ لنفسي. أعيش الحب إلى جوار رعاية ابنتي، ولم يخطر على بالي ما سيكون لي ولابنتي على يد هذا الشاب.

تزوَّجنا في هدوءٍ ولم تكن ابنتي ترفض زوجي؛ لأنها شعرت كمَّ السعادة التي يغمرني بها، فلم تُرد أن تعذبني برفضها، بل كانت تُظهر أنها هي الأخرى سعيدة لكنني لم أكن أصدق سعادتها، واستمر شهر العسل في سعادته التي تنطوي على سر غامض كشفت عنه خلافاتنا التي شبَّت كالنار في بيتنا مع مرور الأيام®.

ضاع إحساس الحب وتولَّد لدي شعورٌ بأنني امرأة عجوز يرعاها واحد من أهلها وليس زوجًا كما كنتُ أراه، وكان يصمت كثيرًا أمام رغباتي وينفِّذها وهو يضيق بي كأنه مضطر على هذا الأمر، ولم أكن أعرف ما السبب في ظل رغبته الشديدة في الارتباط بي، فلم يجبره أحد على ذلك بل جاء محاولاً أكثر من مرة.وبعد سنوات من الزواج كبرت »صابرين« وصارت في سن المراهقة لكنها تبدو مكتملة الأنوثة.

ولاحظت شيئًا مريبًا في عيني زوجي وهو يتفحَّص ابنتي عن بعد، وبعد مراقبتي له وجدته يدخل غرفتها أكثر من مرة في عدم وجودها ومرات أخرى أثناء نومها، وصُدمت حين رأيته يتلصص عليها وهي في الحمَّام، لم أدرِ ماذا أفعل، وحين واجهته بما يفعل غضب وثار بلا أي منطق وحاول أن يهاجمني حتى يصرف الحديث إلى أمور أخرى غير أفعاله المشينة.

وحين أفلس من المبررات الواهية ضاق واعترف بما في داخله من نية سيئة، وأخيرًا اكتشفت حقيقة السر الغامض الذي كنت أشعر به ولا أعرف مصدره، فقد صرخ في وجهي بأنه فقط يحرص على البقاء معي حتى لا يضيع منه المصروف الذي أعطيه إياه أول كل شهر، لكنني مع كل هذا لم أكن أتخيل أن تصل به الجرأة للاعتداء على ابنتي، فكنت كلما داهمني الشك في هذا الأمر صرفت الأمر عن ذهني واستبعدته حتى أتت الليلة المشؤومة.

كانت الليلة هي ليلة رأس السنة، وبعد سهرة طويلة أصابني دوار شديد، فرحت في نوم عميق دون أن أدري، وبقي »رامي« مع »صابرين« يشاهدان التليفزيون، ثم صحوت في الخامسة فجرًا على صراخ ابنتي تستنجد، فأسرعت إلى غرفتها فوجدتُها مقيدةً بحبل وتبدو عليها آثار اعتداء، فاتصلت بالشرطة، وأخبرتها بتحرّش زوجي بابنتي، وتبيَّن لي أن الدوار الذي أصابني كان بفعل مخدر وضعه لي زوجي في كأس العصير.

وفي اعترافاته أمام الشرطة بما ارتكبه من جرائم في حق ابنتي، أكد أنه تزوجني لأسباب عديدة من بينها أن لديَّ شقة وميراثًا كبيرًا، بالإضافة إلى أن لديَّ ابنة ولن أطالبه بالإنجاب، لكن لم يكن يشغلني ما أصاب كرامتي من خداع، بل كانت الكارثة التي ألمت بابنتي من فقدان عذريتها أهم بكثير.

فقد دفعتْ ثمن زواجي من شاب مستهتر، وغُصتُ في ندمي في وقتٍ لا ينفع فيه الندم، وعشتُ لألعن الحب الذي خدعني مرتين، فكم أصبحت العاطفة شركًا يصيد أصحابه الذين يصدقونه وسبيلاً من سُبل الجريمة، وكلَّما نظرتُ في عينَي »صابرين« قلتُ. »أيها الحب كم من الجرائم تُرتكب باسمك«®. وها أنا أعضُّ بنان الندم، وأتوجه لكل أرملة حسناء ألا تكرر حماقتي نفسها بالارتباط بشاب صغير لا يسعى سوى رغباته ونزواته، وليس ما تبحث عنه الأرملة الطروب من دفء وحب واستقرار.