لا يمر عمل تاريخي، أو ديني في الشارع العربي دون عقاب واتهامات تطاله، وتطال العاملين فيه بالمبالغات أو التكذيب أو التضليل، وهذا ما حدث مع مسلسل »القعقاع بن عمر التميمي«، الذي يعرض على سبع محطات درامية في شهر رمضان الكريم، من تأليف الكاتب محمود الجعفوري، الذي سبق وقدم أعمالا عدة من بطولة الفنان أيمن زيدان، وإخراج المثنى صبح، ويقوم بدور القعقاع النجم سلوم حداد، إضافة إلى مشاركة واسعة من عدد من نجوم الدراما السورية .

منذ اليوم الأول الذي قدم فيه العمل برزت أصوات معارضة توضح بعض التفاصيل التاريخية الموثقة التي تعرض لها العمل، لاسيما أن هناك ما يقال عنه بأنه تحريف في الحقائق التاريخية وتغييب شخصيات بارزة في مواقف موثقة، وجلب شخصيات أخرى للحدث ذاته، وهذا ربما أدى إلى بعض الخلل، ولعل الخلاف الأبرز الذي اتفق عليه كثير من المتابعين والباحثين إظهار جانب من بعض الشخصيات الاسلامية؛ كابي بكر وعمر بن الخطاب، في سياق العمل. وهكذا صار المرء يتابع جسد عمر بن الخطاب، وهو يصلي، او وهو يتنقل بين الرعية، كما حدث هذا مع أبي بكر، الامر الذي أثار حالة من الإرباك التي تجاوزها صناع العمل، ولم يقوموا بالرد عليها حتى الآن، علما أن جرأة الدخول في تصوير الصحابة أو إبراز أشكالهم يبدو أنها وجدت طريقا لها في مسلسل القعقاع، وهو الذي عاصر مراحل متعددة في نشوء الدولة الاسلامية بمختلف مراحلها قبل الاسلام وحتى تسلم معاوية خلافة المسلمين، وبدء الخلافة الأموية، وهو الذي قال فيه رسول الله »لا يهزم جيش فيه القعقاع« .

لا يبدو على كل حال أن مسلسل القعقاع فيه تجاوزات حادة، كما لا يبدو المؤلف حريصا على تقديم عمل فيه قراءة مختلفة لما هو واضح في السيرة التاريخية والدينية للمرحلة التي عاش فيها القعقاع، والتي تنتمي إلى مرحلة حقائق معروفة، وليس فيها معرفيا او دراميا خرق مباشر، ولعل الكاتب ملتزم بهذا الجانب مبرزا شجاعة القعقاع، والدور البطولي الذي قام فيه في معارك الردة أيام الخلفاء الراشدين؛ ابي بكر وعمر وبن الخطاب، بالدرجة الأولى، وهي فعليا ما ميزته عن سواه، وهنا وجد المثنى صبح الفرصة سانحة من أجل إبراز موهبته في تصوير معارك تاريخية، وربما المثنى يدخل للمرة الأولى في صلب تقديم معارك حربية تاريخية، ولعل ولعه في اظهار الدم على وجوه شخصيات العمل وأيديهم قاده لاتهامات أخرى من المشاهدين بأنه دموي أو لا يجيد الا لغة الدماء في الحروب التي يحرص الكثير من المخرجين على عدم إظهارها مباشرة خشية ردود أفعال سلبية من المشاهدين .

ولا يخفى عن المشاهد متابعة شكل مختلف في التعاطي مع الدراما التاريخية من حيث الصورة والتقنيات المستخدمة كتلك المستخدمة في السينما، وعلى حسب تعبير المخرج المثنى؛ فإن العمل يعتبر تحديا في مواجهة شكل جديد من أشكال التقنية المستخدمة في الحروب والدراما التاريخية، وهو ما تحدثت عنه الكثير من الآراء الصحفية، ولكن ظلت ردود الأفعال تلك تتحدث عن ثغرة بين النص والإخراج . الجديد في مسلسل القعقاع بن عمر التميمي هو إدراج المعارك البحرية للمرة الأولى في تاريخ الدراما العربية التاريخية، كما نشرت مواقع اعلامية ترويجية عن العمل وتقارير عن تصوير المسلسل تحدثت فيه عن أكثر من 1600 مشهد درامي يحتويه المسلسل بمشاركة 600 ممثل صوروا خلالها عشر معارك برية وبحرية خاضتها الجيوش الإسلامية في فترة الفتوحات.

وفي مراحل متقدمة من العمل سيكون المشاهد أمام معارك حربية بحرية قادت طاقم العمل لتصويرها بين مناطق متفرقة بين اللاذقية والهند، علما انه في الهند تم الاعتماد على الفيلة من اجل نقل صورة مطابقة للحروب التي جرت أيام الفتوحات الإسلامية، وقد أدى هذا الى بعض المشكلات التقنية والفنية التي صادفت الفنانين، ولكن هذا سجل في رصيد العمل على انه العمل العربي الوحيد بتكلفة إنتاجية كبيرة وبمعارك بحرية مصورة على ارض الواقع للمرة الاولى في الدراما التلفزيونية العربية .

ويبدو العمل امتحانا للمخرج الشاب المثنى صبح في تجربته الإخراجية مع العمل التاريخي، وربما كان جديرا به الاستعانة بطاقم من المستشارين التاريخيين والدينيين تداركا لمشكلات لها علاقة بتناول تلك المرحلة.

استمر تصوير العمل لمدة زادت عن الأربعة أشهر بين مناطق مختلفة في أماكن عدة في سوريا، والمغرب، والهند، وشارك في بطولة العمل طاقم تمثيلي احترافي يتقدمهم سلوم حداد ورفيق علي أحمد ومحمد حداقي.

دبي - جمال آدم