تراثنا كنزنا، الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت الوان اوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.

وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الاطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الامارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليها ونقلها من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.

عرفت المرأة الإماراتية منذ القدم بإتقانها للمهارات المنزلية وهي عديدة من غسيل وتنظيف فتعنيها شؤون بيتها ويهمها أن تتقن العمل الذي تقوم به ولكن إذا تطرقنا إلى الطبخ فيكاد يكون مفتاح الحوار مع أية سيدة ، خصوصاً إن كانت أماً، أو ربة بيت .

وليس هناك من لا يرى في طهي أمه مثالاً للطعام اللذيذ وعودة إلى أيام الطفولة الحلوة، لذا علينا أن نقدم احترامنا للأمهات اللائي حافظن على الموروث الشعبي لفن الطهي ووضعن محبتهن مع المكونات البسيطة المتوفرة في الماضي ليصنعن وجبات لا تزال روائحها تتغلغل في ذاكرتنا وتمنحنا شعوراً لذيذاً لا نجده في وجبات المطاعم الفاخرة.

وفي احد الأحياء الشعبية في مدينة الشارقة اجتمع »الحواس الخمس« مع مجموعة من الأمهات عرفن أسرار الطعام وأتقن إعداده للأزواج والأبناء ببالغ المحبة، فما أن جاء ذكر الطهي حتى انفرجت أساريرهن وعدن إلى ذكريات جميلة حين كانت الوجبة البسيطة الصحية هي سر الصحة والقوة، وحين كانت المرأة تدير شؤون بيتها ولا تعرف سوقاً تتجه إليه، ولا مطعماً تتصل به ليحضر وجبة الغداء على وجه السرعة، لذا كان في حديث السيدات ما يعيدنا إلى ماضي حياة المرأة وصبرها وقناعتها بما تمتلك.

وتستعيد أم خليفة أيام الماضي قائلة: في الماضي كانت الناس قانعة مع قلة الحال فقد ربينا أولادنا على القناعة وكانت المرأة تصنع طعامها من أي شيء متوفر في المنزل ولا تتذمر فكان الأكل طازجا ولا وجود للأكل المجمد في بيتي على عكس يومنا هذا، فجميع الأكلات مجمدة، وكنت احرص أيضا على توفير البزار التي تعطي نكهة ورائحة زكية في الطعام، حيث كان يأتي بها زوجي من سوق الشارقة وهي عبارة عن السنوت (الكمون) واليليلان (الكزبرة الجافة) والكركم والجرفة (القرفة) والفلفل الأسود والمسمار (القرنفل)، وأحيانا كنت أضيف عليها القليل من الهال.

وتذكر أم عبد الله ليلى علي: أن النساء يختلفن في مهارتهن في الطبخ وان المرأة التي ترغب بتجويد طعامها عليها أن تتحلى بالصبر وتراقب قدورها ولا تهملها أو تنساها، وعليها أن تقلي اللحم أو الدجاج مع البصل قبل طبخ الصالونة للتخلص من رائحة الزفر في الطعام.

ونحن نطبخ صالونة اللحم أو الدجاج أو المالح ولم نكن نضع الطماطم عليها لأنها غير متوفرة لذا يكون ماء الصالونة مخلوطا بالبهارات والبصل والسمن وتكون أقرب إلى الصفار بسبب لون الكركم، أما العيش »الرز« فهو ليس متوفرا بكثرة وثمنه مرتفع في ذلك الوقت لذا يكون طعامنا معتمدا على خبز البر الذي نزرعه في أرضنا

.

وهناك أطعمة يومية تختلف باختلاف الأوقات ففي الصباح يعتمد الناس على أكل الجامي والزبد والحليب والبيض في حال توفره بينما تكون وجبة الغذاء متضمنة ما توفر من اللحوم والأسماك والخبز أو الرز.

تضيف: ولم يكن هناك إفراط في الطعام ويكون لشهر رمضان المبارك خصوصية في وجبة الإفطار قبل مجيء رمضان نكون قد حضرنا مواده الغذائية فيذهب الرجال لشراء الطحين والرز والسكر والقهوة، ونحفظ التمر لرمضان إذا جاء في الشتاء أو نأكل الرطب إذا جاء في القيظ ويكون اللبن مرافقا له في أول الإفطار.

أما أم عبدالرحمن فاطمة عبدالله تقول: كنت أسكن في منطقة قريبة من الماء وكانت الأرض خصبة وصالحة للزراعة فكنت أزرع البصل والفندال والطماطم والرويد وأنواع الخضرة ولا أشتري شيئا من السوق فكان كل الخير من بيتنا وكانت لدينا »زريبة« فيها مجموعه من الأبقار والأغنام فكنت آخذ السمن من البقر واللحوم من خلالها والبيض والدجاج من دواجني الموجودة، ولم أكن والنسوان سابقا نعرف الجمعية أو السوق.

تقول أم سيف: في الماضي كنت أحطب وأروي وأرعى الحلال مع أبو العيال في المزرعة ومن بعدها أقوم بجمع بعض الخضروات مثل الرويد واليليلان لإعداد وجبة الغداء في البيت وعندما يأتي أبو العيال يجتمع الأطفال حواليه لتناول وجبة الغداء المتواضع سواء أكان سمك أو دجاج من الزريبة مع القليل من الأرز إن وجد. تنهي حديثها قائلة: كم كانت تلك الأيام مليئة بالحب والود بالرغم من العيشة المتواضعة.

تقول أم محمد روية مصبح: عندما تخرج البنت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يجب أن تكون قد تعلمت كل شيء، فهي تستطيع أن تطحن وتخبز وتصنع الكامي وتحطب، وتقوم بجميع أمور البيت، وكانت عمتها أم زوجها تعلمها وترشدها إلى كيفية إتقان عملها، لأنها ستكون أماً، وعليها أن تتحمل المسؤولية.

الشارقة - مريم إسحاق