تركت أمرها لله وحده. أعيتني السبل، ووجدت نفسي عاجزا أمام حالتها، فالزهرة التي كبرت أمام ناظري وسقيتها سنوات عمري تذوي الآن أمامي ولا أستطيع فعل شيء لها، فشهد ابنتي البكر التي كانت فرحة العمر، تلك الصبية التي جعلتني أفخر بأبوتي وأشعر أني أريد أن أباهي بها الدنيا، صارت اليوم طريحة الفراش، لا تحرك رجلا ولا يدا.

كانت شهد كبرى البنات والأبناء، صديقتنا أنا وأمها، ذكاؤها جعلها متميزة بين أقرانها، فكانت المتفوقة في الدراسة منذ المرحلة الابتدائية وحتى أنهت دراستها الجامعية لتكون الأولى على كليتها، حين جاءت الى الحياة كانت فرحتنا لا توصف وكنا نناقش خلال شهور حمل والدتها بها كيف نختار لها اسما يليق بها، ولأننا متأكدون من أنها ستكون الجانب الحلو والمشرق في حياتنا فقد اخترنا لها اسم شهد .

وهو الاسم الذي يدل عليها وعلى الحياة التي نتمناها لها، وقد خفق قلبي بشدة وأنا أرفعها بين يدي للمرة الأولى، وما زلت أتذكر وجهها الصغير والعاطفة الممزوجة بالخوف التي اجتاحتني وأنا أصبح أبا للمرة الأولى في حياتي.

كنت وأمها نحلم بمستقبل طفلتنا ونخطط له بكل حماس، حتى اننا جربنا بها كل معلوماتنا في التربية، ما نسمعه من الأهل وما نقرأه، وكانت أسعد لحظاتي تلك التي تكون فيها شهد معي في المرسم تلعب بالألوان وترسم لوحات طفولية مشرقة بالفرح، بينما كانت تشارك امها اهتماماتها في المطبخ وإعداد الحلويات، فكانت شعلة من النشاط والفرح، تلفت أنظار المحيطين بها وتثير إعجابهم بحسن سلوكها وطريقتها الودودة في التعامل.

جاء بعدها أخوة أخرون فصارت شهد الأخت الكبرى والصديقة للجميع، هي التي تدوزن إيقاع الأسرة وتخطط لمفاجأتنا بأشكال مختلفة من الفرح، لا مجال للغيرة بينها وبين أخوتها مثلما لا مجال لمنافستها على لقب ألطف فتيات الأسرة.

وقد صارت البنت الصغيرة تكبر وأصبحت جامعية تنافس زملائها على الدرجات العالية، وصرت خلال رحلاتي الفنية ومعارضي التشكيلية أختار لها أجمل الثياب والهدايا، فهي تستحق الكثير تلك الفتاة التي جعلتني دائما فخورا بها.

وقد تركت بصمتها على حياتي وأعمالي وشذبت روحي لتجعلها أكثر رقة وحنوا وسعادة، وها هي اليوم تنهي دراستها الجامعية بتوفيق لتكون الأولى على كليتها، وقد جاءتني لتطلب مني أن آتي لها بملابس حفل التخرج من لبنان، فابتسم فرحا بتلك الشابة التي تقف أمامي كأميرة تطلب ما تريد لأنها تستحق كل ما تطلب، فهي لم تستهن بمحبتنا ودلالنا لها بل كانت مسؤولة منذ طفولتها وها هي اليوم تتوج محبتنا بتفوقها وتخرجها بأعلى الدرجات.

سافرت الى لبنان وكنت أستغل الفرص أنا ووالدتها لنجهز حفلة تخرجها بشكل يليق بها ويسعدها، وكثيرا ما نبحث في المحلات عن هدايا وثياب تكون مناسبة للمناسبة ونحن نرغب بمفاجأتها بما هو أكثر، عدنا الى البيت ونحن نحمل الكثير في جعبتنا.

ولم يبق على حفل التخرج سوى أيام قلائل، وحين جاء اليوم المنتظر كنا كأنا نتهيأ لحفلة عرس، وكم كنت فخورا حين نودي باسمها كونها الأولى على كليتها، أول مرة أسمع والدتها تطلق الزغاريد الممزوجة بدموع الفرح، وأول مرة أشعر أن قلبي يرقص فرحا وهو يحوم حولها وهي تتقدم إلى المنصة لتستلم شهادتها من رئيس الجامعة.

وقد كانت فرحة العمر، بينما أحضرنا مفاجأتنا إلى البيت فقد جهزنا حفلا يليق بالمناسبة ودعونا صديقاتها وأهلنا ليحتفلو معنا وتركنا بعض الترتيبات لخالتها وأخوتها لكي تكون المفاجأة حين تدخل البيت، وحين انتهى حفل التخرج أخذناها في جولة صغيرة لنعطي الفرصة لأصدقائنا بالتجمع.

وما أن وصلنا إلى البيت حتى استقبلها الجميع بالأغاني والفرح و كنت قد وضعت لها اغنية النجاح لعبد الحليم حافظ لأني كنت أشعر أن هذا نجاحي أيضا، كانت فرحتها كبيرة وكانت دموع الفرح تسبقها ونحن سعداء بها فهي أول الفرح منذ أن ولدت.

لم يمهلنا القدر الا أسابيع قليلة حتى فاجأنا بما لم يكن بالحسبان، مرضت شهد وقد فاجأتها حمى قوية وتصورنا أنها نتيجة برد أصابها، لم تكن الكمادات ذات قيمة لخفض حرارتها ولا حتى الأدوية خافضة الحرارة، لم نشعر بها الا وهي تنادينا ثم تسقط مغشيا عليها، لا أدري كيف حملتها وكيف وصلت بها إلى المستشفى وكيف كانت الدنيا من حولي، لم أكن استطيع التوازن ولم أعرف ما الذي جرى لصغيرتي، كانت الدنيا تدور بي وهي في غرفة العناية المركزة ولا أحد يعرف ما بها وهل ستستيقظ أم لا.

الساعات التي مرت كأنها دهور لم يكن لدي صبر ولا قدرة على الانتظار لكن لا شيء امامي أستطيع فعله، حتى ظهر الطبيب أمامي ليخبرني أن الحمى التي أصابتها سببت لها التهابا في الحبل الشوكي ما يعني أنها مصابة بشلل في أطرافها الأربعة.

وليس من علاج موجود هنا لها، كانت الصدمة قاسية جدا علي لكني اضطررت الى التماسك حين رأيت أمها انهارت امامي على الأرض، حاولت أن أفهمها أن ابنتنا بحاجة الينا وأن علينا أن نكون أقوياء لنساعدها على الخروج من تلك المحنة، عدنا بزهرتنا إلى البيت .

وهي غير قادرة على الحركة، ذهبت بها إلى الهند ولبنان ولم أستطع أن أجد لها علاجا، قالوا لي في أوروبا يمكن أن تعالج وتعود كما كانت ولكن بيني وبين أوروبا محيطات وجبال، لا وضعي المادي يتحمل عبورها ولا بيدي حيلة أستطيع فعلها، لذا سلمنت أمر صغيرتي إلى الله وانطفأت فرحتي ولم أعد أتمنى إلا أن تعود إليها قدرتها على الحركة وليس لي إلا الدمع والدعاء.

دلال جويد