لا يعرف المسؤولون ما إذا كان علي الزعبي جاداً في تنفيذ تهديده بالانتحار، إذا ما تقدموا خطوات اكثر في تهديدهم له بمصادرة بسطته ومنعه من التفتيش عن لقمة عيشه في دوار فراس بجبل الحسين. ولكن ما حدث قبل أيام كان إنذاراً كافياً لهم®. فمن سيتحمل مسؤولية انتحار عائلة، لأنه حرمهم من بيع الشاي؟

لا أحد يرغب في اللعب بالنار، المسألة هنا ليست فقط حرق أصابع®. إنها ثلاثة أرواح وقفت على سطح بناية من 6 طوابق وهدد رب اسرتها بالانتحار®.

بدأت المعاناة حين قرر علي الزعبي ان يعرض مشكلته على الهواء مباشرة امام مسؤولي امانة عمان الكبرى، فأبو راشد - علي الزعبي - والد لسبعة اطفال يعمل منذ 71 عاماً على عربة لبيع القهوة في منطقة - جبل الحسين، وتعتبر هذه العربة المصدر الوحيد لقوته اليومي، ولا يتقاضى اي معونة من التنمية الاجتماعية او سواها، الا عندما تعرض بيته الرث للحريق منذ 3 اعوام فتلقى مبلغ 003 دولار من وزارة التنمية الاجتماعية و002 دولار من أمانة عمان.

41 شباط بدأت حلقات الحوار في احدى الاذاعات المحلية عن البسطات في عمان على احدى القنوات الفضائية الاردنية، مع احد مسؤولي امانة عمان الكبرى. وكان علي الزعبي على الهواء يدافع عن أصحاب البسطات الذين يرفضون التسول ويفضلون التعب فوق التعب من اجل بضعة قروش علهم ينجحون في سد بعض حاجات اطفالهم.

لم يكد ينتهي حواره مع المسؤول حتى علم ان الامانة قامت بسحب جميع البسطات الموجودة في جبل الحسين ولكنها لم تستطع ان تأخذ عربته لأنها كانت مجنزرة ومثبتة في مكانها.

لقد صادر موظفو الامانة العربات لمدة 4 اشهر وهدد اصحابها بالاعتقال إن هم حاولوا العمل عليها مجدداً في منطقة جبل الحسين.

كانت هذه الفترة أقرب بالموت البطيء للعاملين على البسطات، فأصبح الجوع يلتهمهم، والفقر يحاصر اطفالهم، ولم تعد اليهم البسطات الا عندما اثير الموضوع مرة اخرى على القناة الفضائية ذاتها، وبالمقابل اطلق قرار لاتخاذ اجراءات امنية بالتعاون مع الامانة لإزالة البسطات من العاصمة عمان، وكأنها حرب على لقمة عيش مئات من الاطفال.

وقال الزعبي لـ »البيان« عندما قررت الامانة منحي تبرعا عندما احترق منزلي صدمت ان المواد التموينية التي تم منحي اياها هي من مصادرات البسطات.

وكان مسؤولو الامانة يرفضون التحدث مع اصحاب البسطات بوصفهم »زعران« علماً بأن بعضهم من حملة شهادة البكالوريوس.

يقول الزعبي: عرض علي ان اترك البسطة واعمل عاملاً، فرفضت لأني اتقن عملي على البسطة فلماذا يجبرونني على مهنة أخرى. وفي اليوم التالي لرفضي جاء موظفون وسيارة شرطة وصادروا بسطتي.

قرابين الامانة

لم أعرف كيف عزمت وأخذت قراري بحمل طفلتي - فرح ومرح - الى الطابق السادس لألقي بهما وبنفسي ايضاً لنموت بهذه الطريقة ارحم من الموت تضورا من الجوع.

يقول الزعبي قمت بمراجعة التنمية 3 مرات للحصول على دعم مالي لابنتي الصغرى التي تعاني من حول في عينيها وصرف لها مبلغ 05 دولاراً كل 3 شهور، كما حاولت التقدم بطلب معونة الى عدة جهات اخرى ولكن بلا جدوى.

وتابع الزعبي، عند مراجعة احد مسؤولي الامانة بسبب سحب العربة قال »اعمل اللي بدك اياه«. وكأنه يقول لي لن تستطيع فعل شيء، ورفضت الامانة اي حل إلا إزالة البسطات فقلت لذاك المسؤول »ارحم سلام الله عليك. وبدلا من محاربتي في لقمة عيشي اذهب الى شارع الرينبو وانظر ماذا يحدث هناك«. وزاد »كان كلامي هذا شرارة الاصطدام بيني وبين الامانة«.

فرح ومرح

أما ابنتاه فرح 11 سنة وشقيقتها مرح 21 سنة اللتان جلبهما والدهما الى الطابق السادس محاولاً رمي نفسه وابنتيه فقالتا انهما خافتا كثيراً من الحادثة »بس بابا حكى لنا لا تخافوا«.

يقول الزعبي »لولا مدير شرطة جبل الحسين لكنت أتممت ما اردت وهو الوحيد الذي وقف بجانبي وحتى الآن، فلا استطيع ان اقول له سوى جزاك الله خيراً«.

بدوره قال استاذ علم النفس الاجتماعي السياسي في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور فايق حسن »إن سوء الاحوال الاقتصادية العامة وما يترتب عليها من ضغوط نفسية من الممكن ان تؤدي الى التفكير بالهروب من الحياة كاملة خاصة وإن كان الشخص يعيل عائلته«.

واضاف إن التفكير بالمستقبل البعيد مع نقص الثقافة والوازع الديني سيؤدي الى امور غير متوقعة، من قبيل تفضيل الموت بدلاً من خسارة ابنائه في طريق سيئ في الحياة، مشيراً إلى ان الدافع الاساسي للانتحار ليس حب الموت بل الضعف امام الحياة والهروب منها.

واوضح، لو كانت الامور تقاس فقط بالمعيار الاقتصادي لرأينا معظم الشعب الاردني يقف على اسطح المنازل مهدداً بإلقاء نفسه ولكن هناك الكثير من المعايير وعلى رأسها المعيار الديني، ورغبة الانسان في النضال والنجاح مهما كانت الصعوبات.

اما اصحاب العلاقة وهم المسؤولون في امانة عمان الكبرى وفي محاولة لـ »البيان« للوقوف على تفاصيل ما يرويه الزعبي قمنا بالاتصال بالمركز الاعلامي للامانة.

وقال المدير التنفيذي للرقابة والتفتيش في امانة عمان المهندس عزالدين شموط ان البسطات مخالفة للقوانين ومنها قانون رخص المهن لمدينة عمان، ونظام منع المكاره ونظام الاسواق العامة، ونظام الشوارع والطرق والارصفة داخل حدود مدينة عمان.

واضاف المهندس شموط ان الامانة عملت على توفير الاسواق الشعبية والدائمة واليومية والمؤقتة كبدائل لاصحاب البسطات، وذلك بعد ان تم تجهيزها وتقديم كافة خدمات البنى التحتية فيها والعمل على توسعة بعضها لاستيعاب اصحاب البسطات.

عمان - لقمان اسكندر