تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت الوان اوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.

وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الاطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الامارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليها ونقلها من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء.

وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.الطب الشعبي جزء من المعتقدات الشعبية، ويتميز عن بقية المعتقدات بارتباطه بالصحة والمرض ويتعامل به الكثيرون حتى الآن لمواجهة مشكلاتهم الصحية في ضوء الخبرات والتجارب العديدة المستمدة من البيئة .

و مر الطب في الإمارات بمراحل عديدة من طب تقليدي قديم إلى طب إسلامي، والذي ضم خبرات وتجارب الأطباء المسلمين من عرب وعجم ، ثم ظهور الطب التقليدي أيضا الذي اختلطت به الكثير من التجارب الجاهلية مثل الزار والسحر والحروز.

عن أهمية الطب الشعبي تقول سهيلة عبد الله- حرفية في قرية التراث والغوص: إن هناك أيادي خبيرة قد احترفت مهنة الطب الشعبي في الإمارات وعلاج كثير من الأمراض، واعتاد عليها الجميع في السابق كما كان للمرأة دور كبير في هذا المجال فعولجت الكسور الجروح والقروح والأمراض بشتى أنواعها ، وبالأخص اللصة المعروفة بداء السرطان، بالأعشاب، وبالكي في مواضع من جسد الإنسان والحيوان وكان العلاج ناجحاً وعجيباً غريباً .

تضيف: هناك اساليب من العلاج ساد مجتمع الإمارات ولا تزال هذه الأساليب إلى اليوم محتفظة بخصائصها ومميزاتها، كالفصد والحجامة وتجبير الكسور، وتشير إلى أن البيئة المحلية لها تأثيرها الكبير على أساليب الطب الشعبي ومواده فالسدر والرمث والأشخر والتمر واللبن وغيرها، جميعها أدوية شعبية يعرف الطبيب الشعبي فوائدها والحالات المرضية التي تفيد فيها.

تنهي حديثها بالعامية قائلة: هذه الأنواع من المعالجة مستقاة من الطب النبوي مثل »الطبيخة« فيشربها ثلاثة وديات ويغدي شرات ما تغسلين الكندورة بالمبيض.

القائمون بالطب الشعبي

القائمون بالعلاج الشعبي في الإمارات هم المطببون أي الذين كانوا يمارسون مهنة الطب بالوراثة والخبرة والمعرفة والتجربة الذاتية ، والمطبب هو المعالج الذي يستخدم طريقة معينة يمارسها وتصبح مهنته ومصدر رزقه في بعض الأحيان.

والأطباء الشعبيون في الإمارات هم الممارسون لفنون الطب التقليدي ، وهناك فروق بين طبيب المدينة وطبيب القرية ، والطبيب في البادية عن الطبيب في القرى الجبلية. ويمكن ملاحظة الاختلاف بين هؤلاء في مصادر الثقافة الطبية الشعبية، ومستوى التفكير والمعرفة في كل مجتمع من المجتمعات الإماراتية القديمة وهذا الاختلاف في درجة الخبرة والإلمام بالأساليب والطرق العلاجية يرجع إلى التكوين التاريخي والبيئي لكل نمط من الأنماط السكانية المختلفة في مجتمع الإمارات القديم .

وكذلك يرجع إلى نوعية التخصص العلاجي الشعبي . فمثلاً يلاحظ بأن (العلاج بالكي ) أكثر انتشاراً في المجتمعات القروية البعيدة عن مجتمع المدينة . فهناك رجال في القرى تتوفر لديهم خبرة واسعة في الكي .

لذا عندما يوصف الكي لمريض ينصحونه بأن يذهب إلى (كواي) متخصص في قرى الجبال عند (البداة) أو يقولون له اذهب إلى البادية . وهناك أيضاً وصفات علاجية يمارسها أطباء البادية أكثر من أطباء المدينة ، لذا فإنهم ماهرون فيها أكثر من سواهم .

طرق ممارسة الطب قديما

التجبير: أي العمل على معالجة الكسور (كسور أو شروخ العظام أو انفصالها ) وهي مبنية على علم تشريح العظام وعلى الخبرة في معالجتها ، وهذا النوع من الممارسات لا شك أنه مبني على أصول علمية مستقاة من الخبرة الإنسانية والعربية في مجال التشريح وعلاج أمراض وحوادث العظام من كسور وغيرها .

علاج الجروح والتضميد: وهو فرع من فروع علم الطب ، وقد اكتسب أهالي المنطقة الخبرة فيه نتيجة ما توارثوه من معالجات حول هذا الموضوع وما انتهت إليه خبرتهم اليومية في هذا المجال نتيجة معايشة الإنسان اليومية لمثل هذه الحالات ، وحاجته إلى علاجها ، الأمر الذي دفع به إلى اكتشاف العديد من الوصفات التي كان للكثير منها نتائج إيجابية في هذا المجال كعلاج الجروح بالملح ( مطهر وقابض للنزف) وكذلك علاجها باللبان العربي كمادة قابضة أو لاصقة .

علاج التقرح: (أي القراح المزمنة التي تنتشر في بعض الأجزاء من جسم الإنسان ) عن طريق الوصفات المطهرة والقاتلة للبكتيريا أو الفطريات ، حيث تعمل المادة المطهرة على شفاء هذه القروح .

ومن هذه الوصفات (الخيلة والزعتر والملح ) والخيلة والزعتر نباتات استخدمت بكثرة في الطب العربي إذ استخدمت هذه الوصفات أيضاً لعلاج العديد من الأمراض كأمراض البطن بصفة عامة .

الحجامة :

وإلى جانب المعالجات السابقة فقد تم استخدام الحجامة وهي- كما يعتقد مستخدموها - وسيلة لإخراج الدم الفاسد أو الزائد في جسم الإنسان وشفطه عن طريق استخدام أداة لشفط الدم وتجميعه في أماكن معينة من جسم الإنسان كمؤخرة الرأس أو كاحل الرجلين أو بطن الساق أو الفخذ أو تحت الذقن أو ظاهر القدم أو أسفل الصدر ، والأداة المستخدمة في الحجامة هي عبارة عن قرن حيوان ، حيث يجرح الموضع الذي تم فيه حبس الدم وتجميعه وتركه ينزف حتى يتم تفريغ الدم المتجمع .

وقد تستغرق عملية شفط الدم قرابة عشر دقائق وبعدها يقوم المعالج بمداواة الجرح من خلال كث الرماد عليه، والحجامة وسيلة لعلاج بعض الآلام التي يعتقد بأن سببها هو تجمع دم فاسد أو زائد عند موضع الألم . وهذه الوسيلة في العلاج مستقاة من الطب النبوي ، حيث روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤكد جدوى العلاج بالحجامة .

الكي:

هو وسيلة شاع استخدامها في الطب الشعبي عند العرب حيث يحمي الطبيب المعالج قطعة من المعدن وتوضع على مكان الألم أو على مكان يحدده الطبيب باعتبار أن هذا المكان من جسم الإنسان يتحكم في مصدر إحساسه بالألم، وإن كان هذا النوع من العلاج يأتي في الغالب بعد استخدام الأساليب الأخرى للعلاج لما فيه من إيلام للمريض . ويعد العلاج بالكي علاجاً ناجحاً في بعض حالات القراح أو الأورام السرطانية ، حيث ثبت نجاحه نسبياً .

البتر : وإلى جانب العلاج بالكي فقد اعتاد أبناء الإمارات على التداوي بالبتر وهو في حالات قليلة أي إذا استدعى الأمر ذلك وفشلت كل الأساليب العلاجية السابقة : حيث يلجأ الطبيب إلى بتر العضو المريض كوسيلة لمنع انتقال المرض إلى الأجزاء الأخرى من جسده .

دبي - مريم إسحاق