في أجواء شهر الله الكريم تبرز الكثير من الموروثات القديمة، التي تعاقدت لقرون طويلة وارتبطت بذلك الشهر الكريم طيلة لياليه العابقة بنسماته اللطيفة، ذلك الموروث الذي امتد من العصور الإسلامية يبحث له الآن عن موقع له في أيامنا هذه، بعدما كان متسيداً طيلة القرون الماضية، إنه ( المسحَّر ).

والمسحر هو رجل يقدم خدمات إنسانية في رمضان، ارتضاه المجتمع لخدمته لإيقاظهم من النوم في وقت السحر، فهو يدعوهم لترك النوم، كي يتناولوا طعام السحور قبل الفجر بمدة كافية من الزمن بواسطة آلة القرع والمقروع. فآلة القرع هي العصاة الغليظة، والمقروع هو الطبل، بحيث يضعه محاذياً لبطنه من خلال الحبل الممسك بالطبل والمتدلي من رقبته، فيقوم بالضرب على الطبل ضربات متتالية قوية فيتوقف برهة، ثم يعاود القرع الموحد مع الإنشاد والعبارات التي فيها التسبيح والتهليل لتصل تلك الضربات إلى الناس فيهبوا إلى طعام السحور.

وطعام السحور في ذلك الزمن عبارة عن (عيش مضروب مع السمك الصافي) والفاضل منه يوضع في (ملالة) كي لا تصل إليها القطط ليطعموها أولادهم الصغار في وقت الظهيرة أو وقت الغذاء وتسمى (الغبيبة).

وعند الحديث عن المسحر بدأ أبو حسن بالحديث عن المسحر قائلاً: لايزال صوت المسحر عالقاً في أذني وهو يجول في »السكيك« و»الفرجان« كلها أي الأحياء في الظلام الدامس بين البيوت والنخيل والأشجار.

وبصوت الطبل الذي يبدد الخوف والقلق من مواقف قد تفاجئه أثناء عمله، وهو برفقة ابنه الذي يرغب أن يتوارث هذه المهنة منه، أو يساعده أثناء تعبه أو مرضه. يستطرد: أثناء تجوال المسحر يمر على بيوت له علاقة بهم فيقف على الباب برهة وهو يناديهم يا فلان اقعد يرحمك الله، وربما قرع بابهم بقوة.

أما رقية عيسى-موظفة- فتقول: لا أتذكر المسحر جيداً وآخر مرة سمعته كنت تقريباً في الثامنة من عمري، وأمي تحدثنا دائماً في هذا الشهر الفضيل عن المسحر والعبارات التي يستخدمها أثناء طوافه على الأحياء، وعادة يكون صوته جهورياً ينساب جميلاً رقراقاً، يضفي عليه وقت السحر عذوبة وصفاءً، ليصل إلى أسماع الناس دون تكلف أو عناء.

تتذكر الوالدة أم محمد المسحر قديماً فتقول باللهجة العامية: »أيام أول كان المسحر يطوف على البيوت ويوعينا للسحور واليوم البعض يرقد وما عنده خبر «. تضيف: عند سماعي لصوت المسحر والطبلة التي يحملها أهم لإيقاظ أبنائي للسحور، وأشجعهم على الجلوس ومتابعتهم للمسحر الذي يلفه الظلام، ماراً بصورة سريعة دون توقف في أي مكان، ولذلك تلك الدعوة ترغبهم في السحور للاستماع ومشاهدة ملامح المسحر الذي أخفاه الظلام.

يقول مايد جمعة -موظف-: سابقاً يعتبر وجود المسحر ضرورياً ليفيق الناس من النوم للسحور، أما الآن فوجود الساعات المنبهة، وكذلك جلوس الناس إلى وقت السحور دون نوم جعل هذه العادة تراثاً أكثر منها حاجة عملية، ولكن حبذا لو استمرت هذه العادات لتعطي طابعاً جميلاً ضمن عادات الشهر الكريم، أعاده الله علينا دائماً باليمن وبالبركات.

ناصر سالم -موظف- يقول: يعتبر المسحر من أساسيات شهر رمضان وطقوسه الأصيلة، وأنا شخصياً لا أذكرها في صغري لكنني بدأت أسمع عن المسحر من قبل جدتي وأبي وهم يتحدثون عن دوره في شهر رمضان ومدى شوقهم لسماع شدوه الأصيل وصوت الطبلة المميز.

يقوم المسحر بعد فطوره ببرهة الذهاب إلى مجالس القرية ليلياً حيث القرآن والدعاء فيقدم له ما تجود به الأيدي من مواد غذائية معلبة، أو بعض النقود التي يتعيش من خلالها. أما يوم العيد فيدخل المجالس للمعايدة والتهاني، ويقدم له عيديته كل حسب طاقته وإمكانياته.

أما هذه الأيام فبدأت هذه المهنة بالتلاشي والاندثار، وقد انقطعت ولم نسمع من زمن بعيد صوته إلا من ذكرى ارتسمت حينما كان الصفاء والعفوية الجميلة مصاحبة لأيامنا.

الطريقة التي يستخدمها المسحر كان قديماً يستخدم »الدرام« والمشهور هو استخدام »الطبل«.

الطبل

الطبل يكون مصنوع من جلد الحيوانات مثل جلد البقرة أو جلد الخيل وله جهتين الجهة الشمالية للضرب بالعصا، والجهة الجنوبية للضرب باليد®. ومع تقدم الأيام فإن جلد الطبل يضعف أو ينخرق ولا بد من تجديده.

بداية التسحير

يبدأ بالتسحير من بداية الشهر في حدود الساعة الواحدة صباحاً تقريباً إلى قرب وقت كافٍ من الأذان.

الأهازيج

يردد المسحر تلك الأهازيج الجميلة والمحببة إلى النفوس بمرافقة الطبل®. ومن ليلة سبع وعشرين يردد المسحر أهازيج خاصة بتوديع الشهر الكريم، ومن تلك الأهازيج التي يرددها المسحر:

فلان بن فلان فلان اجلس أسحر يا عبيد الله السحور

ودعوا يا كرام شهر الصيام لوداع الوداع يا شهر رمضان

عيدوا ولعيد جاكم عيدوا في هنا وسرور

ايجيكم العيد عيدوا قعدوا لعيالكم وانظروا

لثياب الجديدة البسوا بطيب الجنة تطيبوا

عيدوا والعيد جاكم عيدوا في هنا وسرور

ما يعطي المسحر مقابل هذا العمل

وفي آخر ليالي الشهر المبارك يقوم رب الأسرة وعادة ما تكون من ليلة السابع والعشرين ويعطي المسحر مبلغاً من المال وكذلك حلويات أو غيرها.

وفي الربع الأخير من الشهر الكريم تتغير نبرات صوته حيث أجواء الوداع فيردد طقوس الوداع وفي قلبه اللوعة على فراق هذا الشهر وهو يقول:

ودعوا يا كرام ®. ودعوا يا كرام

ودعوا شهر الله ®. ودعوا يا كرام

أو

يالوداع®. يالوداع®®®. ياشهر رمضان

عليكم سلام®. يا شهر الصيام.

مريم اسحاق