كنا عائلة واحدة مكوَّنة منّي وزوجتي وأخي الأكبر وزوجته، لا نفترق أبدا، نقتسم كل شيء، وبدأ الجيل الثاني من عائلتنا يظهر إلى الوجود مع حمل زوجة أخي، وبالفعل أنجبت »ريم« التي أضاءت حياة العائلة الصغيرة، وعشنا جميعا في سعادة بالغة بقدومها .
وهي تنمو وتكبر يوما بعد يوم حتى أتمت عامها الرابع، في الوقت الذي حملت فيه زوجة أخي ثانية وأهدانا الله المولود الثاني »محمد« الذي ضاعف من سعادتنا، إلا أن السعادة لم تكتمل، فقد لفظت زوجة أخي أنفاسها الأخيرة في رحلة الولادة الثانية، وكانت »ريم« تسألني والدموع تسكن عينيها:
»عمو سعيد! فين ماما؟«، فأخبرتها أنها ذهبت إلى السماء®. كانت وفاة زوجة أخي ضربة قاصمة لأخي، فقد أقعده المرض والحزن على فراقها، وبعد أن أضناه الحزن لحق بها إلى الدار الآخرة تاركا »ريم« و»محمد« أمانة في عنقي.
وكنت كلما رأيت فرحة في وجهيهما حمدتُ الله أني استطعت أن أخرجهما من الحزن على والديهما، وشكرته على أن منحني القدرة على تحمل المسؤولية، لكن زوجتي بعد أشهر عدة بدأت تتذمَّر من مصاريفهما واشتكت كثيرا من شقاوتهما وبكائهما الدائم، واكتشفت أنها كانت لا تحب والدة الطفلين، إلا أنها لم تكن تُعلن ذلك على الملأ، وحاولَتْ أن تعوّض هذه الكراهية في هذين اليتيمين.
وكنت على استحياء أسترضيها وأقنعها بأن نفعل الخير وسيُردّ لنا في يوم من الأيام، لكنني فشلت في تغيير نظرتها القاسية، بل أصابتني عدوى القسوة وصرتُ أميل إلى رأيها بعد أن أجبرتني على ذلك بتخييري بينها وابني أخي الراحل، وسألتُها: ماذا أفعل؟، فقالت لي: »أبعدْهما عن منزلي بأي طريقة، فأنا لا أطيق رؤيتهما، وإلا تركت لك البيت ورحلت«.
وتحت هذه التهديدات ضعفت إرادتي ونسيت أخي ووصيته الأخيرة لي حين قال: »يا سعيد أبنائي أمانة في عنقك«، وأعطيته وعدا بألا يقلق عليهما فهُما في عينيّ، لكن يبدو أنني لم أعد أهلاً للأمانة®.
جاءت الفكرة اللعينة في ذهني بعد إلحاح زوجتي، ولا أعلم من أين أتت، فقد هان عليَّ ابنا أخي اللذان أحبهما، أخذت ريم ومحمد إلى مقبرة أبيهما وأمهما، واتفقت مع حارس المقابر أن يتكتَّم أمر هذين الطفلين مقابل مبلغ من المال دفعته له، وفتح لي باب المقبرة، فأنزلت الطفلين فيها متناسيا كل معاني الرحمة والإنسانية، وأجلستُهما إلى جوار جثتي والديهما وكأنني شيطان في جسد آدمي، وقلتُ لهما: »انتظراني حتى أعود!«.
خرجت والحارس، وشعرت أن الآية التي تقول: »ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة«، تنطبق تماما علي، وتذكرت في الطريق أنني دفنت ابني أخي حيين، ليس هذا فقط، بل دفنت معهما ضميري، وعدت إلى البيت وقد نفذت ما أرادت زوجتي، وظننت أن الأمر قد انتهى وأنه مع مرور الأيام سأنسى جريمتي التي أثبتت كم أنا خائن.
ولا أعلم كيف مرَّت هذه الليلة علي في بيتي وأنا أنعم بالحياة والهدوء الظاهري، وزوجتي تسعد بتنفيذ رغبتها التي أفرغت فيها حقدها القديم على زوجة أخي الراحل ونامت قريرة العين، لكنني فزعت في هذه الليلة حين تذكرت أن ابني أخي ينامان حيين وسط الجثث في ظلام يؤدي بهما إلى الموت بطريقة بشعة لا رحمة فيها.
وبقيت في هذا العذاب لا أتمكن من اتخاذ قرار بإصلاح ما فعلت، لكن الله لم يرض لهذين اليتيمين بالمصير الذي وضعتُهما فيه بحقارة، فقد فُتحت المقبرة المجاورة للتي دفنتُ فيها ابني أخي في صباح اليوم التالي، وسمع الناس صراخ الطفلين ففتحوا المقبرة وأخرجوهما، والدهشة على وجوه الجميع، وسلّموهما إلى قسم الشرطة بعد أن أنكر الحارس معرفته بهما.
وفي قسم الشرطة روت »ريم« ما حدث بالضبط، كنتُ في هذه اللحظات قد توجَّهتُ إلى المقبرة في نوبة يقظة لضميري لكن بعد فوات الأوان، فحين وصلت إلى المقبرة أخبرني الحارس بتفاصيل ما حدث من انكشاف الأمر، فهرولت إلى قسم الشرطة نادما على ما فعل الشيطان الذي سكنني.
وحاولتُ أن أتسلَّم ابني أخي وأنا أمتلئ خجلاً منهما ومن وجه أبيهما الذي لا تفارقني صورته التي تلومني وتتحسَّر على الدم الذي صار ماءً بين أخوين، لكنني فوجئت بالضابط، وعلى الرغم مما أسمعه عن قسوة رجال الشرطة، يذرف دمعا سخيا، متأثرا من هول جريمتي في حق أبناء أخي، ويرمقني بنظرة قاسية غاضبة وهو يقول:
»أمثالك عار على الإنسانية«، ومن ثم قرر إحالتي إلى النيابة العامة، والتي بدورها أحالتني إلى محاكمة عاجلة قضت بسجني عاما وإيداع الطفلين إحدى دور الرعاية، وفي هذه الفترة أنجبت زوجتي طفلاً وطفلة توأمين بعد سنوات من الحرمان من الإنجاب، زارتني مرة واحدة بعد الولادة بدون الطفلين،، وهكذا رحت أعد الأيام والليالي للخروج إلى الحرية واحتضان ابني التوأمين اللذين لم أرهما، حتى جاء يوم الخروج، كنت كمن عادت إليه روحه بعد خروجها من الجسد،ولكن ما أفسد فرحتي أنني لم أجد زوجتي بانتظاري عند السجن كما وعدتني في آخر زيارة.
سارعت بالتوجه إلى الحي الشعبي الذي تقطنه زوجتي في وسط القاهرة، وما أن دخلت الشارع حتى فوجئت بالعديد من عربات الشرطة والإسعاف والإطفاء تحيط بكومة من الركام الذي تتصاعد منه سحب الغبار، دارت عيناي في محجريهما وانعقد لساني لدقائق صاعقة، فهذه الكومة من الركام ليست سوى البيت الذي كنت أقيم فيه مع زوجتي، صرخت وأنا أسأل عن زوجتي وأولادي، فأشار أحد المسعفين إلى جثمانين صغيرين في صندوق إحدى سيارات الإسعاف وهو يقول: »أخرجنا جثة الرضيعين ونحاول حاليا تخليص جثة الأم من تحت الأنقاض، و®.
«، ولم أستطع سماع بقية عبارته، فقد سقطت مغشيّا علي، وحينما أفقت بعد ساعات أخبروني بأنه تم استخراج جثة زوجتي ووضعها وابنيها في ثلاجة المستشفى لحين إتمام إجراءات الدفن، وفي اللحظة الموعودة التي أُدخل فيها جثمان الرضيعين إلى القبر وجدتني أصرخ: أبناء أخي!!.
نظر إلي المشيعون في إشفاق®. معتقدين أن لوثة أصابت عقلي، إلا أنني لم أهتم بنظراتهم، بل لم أنتظر حتى يتم دفن زوجتي، وتركت الجميع وأنا أركض إلى دار الرعاية التي أودع فيها أبناء أخي الراحل »ريم« و»محمد«®.
كتبت إقرارا على نفسي باستلامهم وحسن رعايتهم، وآمنت بقول الله تعالى: »إن ربك لبالمرصاد«®. أيقنت أن جريمتي في حق أبناء أخي هي التي قادت أبنائي وزوجتي إلى القبر، فهل يسعفني الزمن بإصلاح ما فات؟ هذا ما أعيش على أمله حاليا.
القاهرة - دار الإعلام العربية
