دائماً تجد نفسك مبهوراً بتحليلها، سيما أنها تتمتع بحالة مفرطة من الهدوء المغلف برؤية علمية®. تشعر - كما كل قراؤها - ببساطتها وتلقائيتها، إذا أعياك البحث عن معلومة أو اختلط عليك موعد عرض فيلم، فإن ذاكرتها دائماً في حالة يقظة ونشاط.

وجودها في أي ندوة يبعث على المهنية والجدية والارتياح، مقالها الأسبوعي »بين مقعدين« على صفحات جريدة الجمهورية المصرية تميز على مدى 02 عاماً بالسلاسة والموضوعية، خاصة مع تخصصها في نقد الدراما السينمائية والدراما التليفزيونية، فالمقصود بـ »بين مقعدين« هو مقعد في السينما وآخر للتلفزيون.هذه هي الناقدة والصحافية »ماجدة موريس« التي تركت مدينتها الساحرة الإسكندرية بعد أن أنهت دراستها الثانوية وقررت أن تدخل كلية الآداب جامعة القاهرة قسم الصحافة، وقتها رفضت الأسرة هذا الاختيار.

لكنها أصرت، وواجهت عقبات لا تحصى، ومن ثم انتصر ولعها بالصحافة، وتركت الإسكندرية لتعيش مع عمتها في القاهرة، وفور التحاقها بالجامعة التحقت أيضاً كمتدربة في جريدة الجمهورية. واستمرت في الجمع بين الدراسة والتدريب حتى تخرجت في العام 2791، ومن ثم التحقت بمعهد النقد الفني في العام 3791، وهو العام نفسه الذي التقت فيه نصفها الآخر الكاتب فايز غالي، وكان طالباً معها بنفس المعهد، ووجد كل منهما ضالته في الآخر.من أبرز ما ميز الناقدة اهتمامها في بدايتها بالنقد التلفزيوني والتي أصبحت بمرور الأيام واحدة من أهم رواده، وبعدما تنوعت كتاباتها تلفزيونيا وشقت طريقها في النقد السينمائي حتى أصبحت أيضاً من أهم النقاد المصريين.

دقيقة واحدة

»المرأة حتى الآن لم تأخذ حقوقها بالكامل في السينما، لكن الموقف الآن أفضل من خمس سنوات مضت، فهناك جيل آخر يحاول أن يعطي للمرأة حقها، التي هي في الحقيقة الوجه الآخر لحقوق الرجل«.

في تعليق لها حول ما يتردد عن هدر حق المرأة في السينما، أكدت موريس أن العصر الجديد فتح الباب أمام كاتبات ومخرجات مهمات مثل كاملة أبو ذكري ومريم ناعوم وشهيرة سلام وهالة خليل، لافتة أيضا إلى وجود العديد من الأفلام التي تسعى إلى إنصاف المرأة، لكنها تتمنى في الأفلام القادمة عدم التركيز على إنصاف المرأة لحقها وإغماض العين عن القضايا الاجتماعية الكبرى فى هذا البلد، مؤكدة أن قضايا الرجل والمرأة متلازمة.

والدليل على ذلك الفيلم الألماني »دقيقة واحدة « الذي يتمحور حول رجل تعرض لأذى من مديره، فأثر في زوجته، فأثرت بالتالي في ابنها، فأثر الابن في كلبه حتى تحول الكلب إلى قطة!! ففكرة الفيلم كوميدية لكنها توضح العلاقة بين الرجل والمرأة.

رغم أنف الجمهور

»أشعر أن السينما ما زالت تسحرني وتؤثر فيّ، ليس أنا فحسب، لكن في المجتمع بصفة عامة«.

تشدد موريس على أن السينما ما زالت مؤثرة فيها وفي كل إنسان، كل حسب ثقافته ومستواه الاجتماعى، خاصة أن السينما الآن أصبحت تأتي إلى الجمهور في منزله، بينما كانت في الماضي نزهة أسبوعية للأسرة، الآن ومع تزايد الفضائيات المتخصصة التي تعرض أحدث الأفلام السينمائية على مدار الساعة بات بمقدور المشاهد متابعة كل ما يرغب في متابعته من أفلام يتفاعل معها ويتأثر بها أكثر، حتى يمكن القول إن المشاهد باتت السينما تصله رغم أنفه.

المؤثرون الأوائل

»تعاظم الإعلام خلق ميزة جديدة لنجوم السينما. فأصبحوا ضيوفاً دائمين في مختلف وسائل الإعلام والبرامج والإعلانات فأصبح النجم ساحر التأثير«.

هكذا وصفت الناقدة حال السينما بعدما دخل أبطالها إلى منازل الجمهور بلا حواجز، وتؤكد انه أصبح من المستحيل إهمال تأثير السينما، لأن وسائل التكنولوجيا فتحت الطريق أمام النجوم ليكونوا المؤثرين الأوائل في أي عمل، فأصبحوا وجبة شبه دائمة على برامج الفضائيات.

وحتى في النشاطات الاجتماعية والإنسانية، وهذا يفسر الاتجاه إلى الاستعانة بعشرات النجوم والنجمات من مختلف الأعمار والأطياف في النشاطات الإنسانية للأمم المتحدة كسفراء للنوايا الحسنة أو برامج اللاجئين والمعوقين والأمومة والطفولة وغيرها من الكيانات الإنسانية ذات البصمة الدولية التي تؤكد أن النجومية السينمائية والتلفزيونية باتت الفيصل في كثير من الأمور والمهام الاجتماعية والسياسية والإنسانية، وهذا كله يصب في تأثير الدراما بصفة عامة على المجتمع.

الزوجة الثانية

»الرقابة تمنع الآن أي فيلم يعرض الفقر والاحتكار كما تم تقديمه في أفلام سابقة مثل »الزوجة الثانية « و »بداية ونهاية « و »القاهرة 03« و »إسكندرية ليه« و »ابن النيل«®. فهذه الأفلام تحمل قدراً كبيراً من الأصالة والتعبير عن رؤية إخراجية متميزة تجد فيها واقع المجتمع من كل جوانبه«.

علقت موريس على ذكرياتها مع هذه الافلام ووصفتها بأنها لا يمكن أن تتكرر في السينما المصرية مرة أخرى، ففيلم »الزوجة الثانية« الذي قدمه رائد الواقعية في السينما المصرية المخرج صلاح أبوسيف في العام 7691.

وشارك في بطولته صلاح منصور، سعاد حسني، سناء جميل، شكري سرحان، فبمجرد الحديث عن السينما المصرية وعن أبرز مخرجيها بالتأكيد لا ينتهي الحديث من غير ذكر رائد الواقعية المصرية صلاح أبو سيف أحد أهم المخرجين العرب الذي رصد المشاكل المصرية الكبيرة منها والصغيرة بأسلوب واقعي جداً، خاصة في فيلم »الزوجة الثانية«.

فلطالما كان إيماني بأن التفاصيل الصغيرة والبسيطة تنتج عنها أشياء ثمينة وخالدة، وهذا الفيلم قد تكون قصته بسيطة إلا أن واقعيته مؤلمة للغاية، ففي هذا الفيلم تنقلنا كاميرا صلاح أبوسيف للريف المصري ذي الحياة البسيطة التي لا نكاد نعلم عنها سوى البساطة والبساطة فقط، إلا أن كاميرا أبوسيف أظهرت لنا واقعية ومشاكل هذا الريف عن طريق العمدة المتسلط الدكتاتوري، فيرصد حياة شخصيات بسيطة لا تتمنى شيئا في الحياة سوى الأمن والاستقرار، إلا أن العمدة يقف لهم بالمرصاد ويسرق أراضيهم وأموالهم، ومع ذلك فإن امرأته التي يخافها كثيراً عاقر، ولم تسمح له بالزواج.

لكن وبعد مرور سنوات تقرر تزويجه من خادمتها (سعاد حسني) على الرغم من انها متزوجة من »شكري سرحان«، فيسعى العمدة إلى تطليقها قسراً من زوجها بمباركة أحد رجال الدين، والفيلم هنا ينقل صورة متفشية في المجتمع من الظلم واستغلال الدين وتطويعه بما يلبي رغبات الحكام ونزواتهم، فهذا الفيلم صورة لواقع المجتمع.

عطر امرأة

هناك العديد من الأفلام الأجنبية التي استمتعت كثيرا بمشاهدتها، وما زالت محفورة في ذاكرتي، ومنها »عطر امرأة« للمخرج مارتن برست، »الخط الأحمر« للمخرج الانطوائي تيرنس ماليك، »الجريمة« لتوم كروز، »صوت الموسيقى« لجولي أندروز®.

تشير »موريس« إلى أن فيلم »عطر امرأة« للمخرج مارتن برست يعتبر من الأفلام التي قدمت سينما عالية ممتلئة بالرسائل المهمة والمحببة والمتنوعة، وهو من إنتاج عام 2991 ورشح لعدد من جوائز الأوسكار والتي ظفر بها الممثل »آل باتشينو« كأحسن ممثل، فقدم الفيلم رسالة تحدثت عن كل شيء وعن اللاشيء عبر وصفات متنوعة الجمل ومصنوعة بإحكام، من خلال بنية حوارية استغنت عن تقنيات الأكشن وتنقلت بين فكرة الدفاع عن القيم الإنسانية ومحاربة فكرة الهروب إلى الموت.

وذلك من خلال شخصية الكولونيل الذي يظهر في الربع الأول من الفيلم كشخصية عصابية مسحوقة بالحرب، فهو كولونيل متقاعد خرج من الحرب بعاهة العمى وترسبات أخرى تجعله يصل إلى قناعة أن لا معنى لحياته، فيقرر إنهاءها، لكن قبل هذا عليه أن يرتشف من رحيق العالم آخر قطراته، فيقرر أن يقوم برحلة ـ ولأنه أعمى ـ يستعين بمكتب التشغيل الذي يرشح له من يساعده في هذه الرحلة.

وهو طالب جامعي يمر هو الآخر بفترة عصيبة في الكلية، إذ يوضع في مأزق الوشاية بأحد زملائه أو الطرد من الكلية، ولأنه بحاجة إلى المال يوافق على العمل كدليل لرجل أعمى، وهكذا يقوده إلى المطار ويوصله إلى الفندق ومن ثم يعود إلى كليته.

ومن المرافقة الأولى يصطدم برجل أعمى عصابي عنيف وذكي وسريع في اتخاذ القرارات، بل هو مقبل على الحياة يحبها ويفلسفها بكلمات بسيطة مليئة بتراكمات خبرته العسكرية والعاهة والوحدة.

وعبر بناء أرسطي مزج المخرج إرادات متناقضة (الكولونيل - الطالب) العصابية إزاء الشفافية، في هذه المزاوجة نجد أن رسالة الفيلم وعبر متناقضات سلسة، قدمت قصيدة إنسانية تتحدث عن معنى وهدف الوجود.

القاهرة - دار الإعلام العربية