حالة الثقافة السينمائية في العالم العربي ما زالت ضعيفة ومحصورة بين مؤشرين، هبوط للفيلم العربي وصعود للأميركي المتمثل فيما تقدمه هوليوود، وما بين نقطتي المنحنى من أعلى إلى أسفل، تتأثر بوصلة الجمهور بأفلام الأكشن والرعب والميزانيات والمؤثرات الضخمة.

ولأن صالات السينما في الخليج كانت محدودة حتى سنوات مضت، صاحب الانتعاش العقاري في إنشاء المراكز التجارية وزيادة عدد السكان اخيرا، حدوث طفرة في عدد الشاشات وارتفاع ملحوظ للإيرادات في شباك التذاكر، ما أدى إلي تغيير قواعد اللعبة لاستوديوهات لوس انجلوس وتركيزها على سوق الشرق الأوسط، وساهم ذلك في ظهور هيمنه صنعتها شركات التوزيع أدت مع الوقت إلى إطلاق الأفلام في المنطقة مواكبة لعرضها في التوقيت نفسه داخل أميركا. كفاح غريزي المدير الإداري لشركة أمبير أنترناشيونال لتوزيع الأفلام في منطقة الشرق الأوسط، بخلاف دراسته ل»البزنس كمبيوتر« أكتسب خبرة عريضة خلال 10 سنوات (مدة عمله في هذا المجال)، جعلته أكثر دراية وإلماما بتفاصيل سوق السينما ونوعيات الجمهور وشاشات العرض ومؤشرات الأفلام الأكثر جماهيرية في شباك التذاكر الإماراتي.

يرى أن تعامل شركته مع (2 من أصل 5) لأكبر استوديوهات هوليوود وهما »كولومبيا بيكتشرز وفوكس« عكس نمط علاقة اختلفت وتطورت وجعلت النظرة للإمارات خصوصا ومنطقة الخليج أكثر انفتاحا تجاريا وسينمائيا.يؤكد أن الصورة اختلفت عن عشر سنوات ماضية، حيث كانت توجد 7 صالات فقط موزعة مابين دبي وأبوظبي والشارقة، ولكنها وصلت الآن إلى 72 موقعا موزعة في الإمارات كلها وتحتوي على 022 صالة عرض.ويعتقد أن هذه الطفرة ساعدت على زيادة عدد الأفلام والإقبال الجماهيري نظرا لزيادة السكان من (8,1مليون إلى 3,4 ملايين نسمة)، ما جعل سوق الإمارات يستحوذ على 06% من سوق توزيع الأفلام في الخليج، وال04% الباقية موزعة مابين (عمان، البحرين، قطر، والكويت) ويمكن إضافة لبنان والأردن.

وفي لقاء تم داخل مكتبه بشركة أمبير، ومع ملصقات الأفلام وصور النجوم والنجمات، كان ل(الحواس الخمس) مع كفاح غريزي هذه الوقفات التي أخذنا فيها إلى عالم السينما وتطور تقنية الأبعاد الثلاثية وطرق محاربة قراصنة الأفلام.

ازدهار الإمارات

(لا يمكن إنكار الدور الذي تلعبه وزارة الإعلام في الإمارات، من حيث مراقبة الأفلام وحذف المشاهد، وكلها أمور تحسنت وتطورت مع الوقت وساعدت على سرعة توزيع وعرض الأفلام).

بداية أوضح من خلالها كفاح غريزي أن ازدهار الإمارات ساعد على انتعاش عرض وتوزيع الأفلام بالصالات المحلية، والتي عكست بدورها تصنيفات الجمهور من خلال سيطرة نوعية أفلام الأكشن على توجهاته قديما، وزاد عليها أفلام الرعب، أما حاليا ومن خلال إحصاءات شباك التذاكر تجلب أفلام الكوميدي إيرادات تساوي أفلام الأكشن وأحيانا تتفوق عليها، ومثال ذلك الأعمال التي شاهدها الجمهور خلال الشهور الماضية (لقاء غرامي)، (هل سمعت عن آل مورغان؟)، (صائد الجوائز)، (فارس ونهار)، (جنية الأسنان)، و(زومبي لاند).

وهذا لا يلغي تأثير الأفلام ذات الميزانيات الضخمة والموضوعات المثيرة للجدل مثل (أفاتار)، (أسمي خان)، أو (شاتر أيلاند) و (إنسيبشن)، ويسترسل »غريزي« قائلا: وهي أفلام يجد فيها المشاهد المتعة وتخاطب العقل.

ورغم أن العملين الأخيرين ليس من إنتاج الشركات التي أتعامل معها، لكني حرصت على مشاهدتهما ومعرفة رد فعل الجمهور عليهما، وهما مؤشر مستقبلي لي لمثل هذه النوعية عندما توجد أفلام شبيهه من إنتاج الاستوديوهات التي أوزع أعمالها لتلافي السلبيات التي حدثت أو تأكيد إيجابيات لمستها ورصدتها.

عناصر التميز

(من الملاحظ أن توسعات السوق الإماراتي مؤخرا شهدت نقلات سريعة ومتلاحقة، في إيجاد بنية تحتية قوية ومتميزة لعرض الأفلام، رافقها نوعية الأعمال وتوقيت انطلاقها مواكبا نزولها في الولايات المتحدة).

عدد كفاح غريزي العناصر والمفردات التي ساهمت في احتلال الإمارات مكانة جعلتها تتصدر منطقة الشرق الأوسط في سوق توزيع الأفلام، ومنها عدد الشاشات التي وصلت العام الماضي إلي 571 صالة، وزادت هذا العام إلى 54 ليصل إجمالي عدد الشاشات إلي 022 كما قلت سابقا، ماساهم في زيادة 51 % في عدد الأفلام المعروضة خلال عام 0102.

وأضاف: كذلك زاد عدد الصالات المستخدمة لتقنية الأبعاد الثلاثية، فقبل عرض فيلم (أفاتار) كان لدينا 4 صالات فقط تعمل بخاصية (D2، 3D) ثم طور أصحاب صالات السينما بعضها لاستقبال هذا الفيلم ليتم عرضه في 61 صالة، ومع توالي أفلام من هذه النوعية وصل عدد الصالات الآن إلي 23 قاعة، هذا بخلاف الأخرى التي تعرض 53 مللي وجاهزة كذلك لتغيير مرتقب مع التطور الكبير في طريقة عرض الأفلام.

نقلة أفاتار

(سيبقى فيلم »أفاتار« مؤشرا هاما في صناعة السينما سواء من حيث التقنية أو الإيرادات، وسيؤرخ خلال الأعوام المقبلة بالنسبة للأفلام وصناعها وأيضا النقاد لما قبل وما بعد »أفاتار«).

وجهة نظر بلورها كفاح غريزي عن الفيلم الذي قام بتوزيعه في منطقة الشرق الأوسط وحقق حتى الآن إيرادات وصلت إلى 7,2 مليار دولار من أنحاء العالم، مضيفا أن النجاح الفني شجع أيضا المخرج الأميركي المخضرم »جيمس كاميرون« للإعلان حاليا عن تصوير الجزأين المنتظرين من رائعته الملحمية السينمائية »أفاتار« في الوقت نفسه، ليتسنى عرضهما بالتوالي عامي 4102 و5102.

وأكد »غريزي« أن فكرة عرض نسخة خاصة من الجزء الأول في دور العرض الأميركية التي تعمل بتكنولوجيا 3D وآي ماكس فقط، وتحمل 8 دقائق إضافية ومشاهد لم تعرض من قبل خلال نهاية الشهر الجاري، جاري دراستها وتقييم حالتها لعرضها في صالات السينما المحلية مرة أخرى خلال عيد الفطر المقبل.

واستطرد قائلا: هذا العمل يستحق المشاهدة أكثر من مرة بتأمل ورصد لأحداثه التي تتناول أطماع الإنسانية في المستقبل من خلال كوكب يدعى »باندورا« والسعي وراء الحصول على ثرواته ومحاولة إفناء سكانه الأصلين لتحقيق هذا الغرض، إلا أن أحد أبناء البشر ينضم لأهالي الكوكب بعد تعاطفه مع قضيتهم وينجح في قيادتهم للنجاة وهزيمة بني جنسه.

قرصنة الأفلام

(قرصنة الأفلام تعتبر من أهم وأخطر ما يواجه صناعة السينما حتى باتت تهدد معظم شركات الإنتاج السينمائي في مختلف دول العالم بخسارة فادحة نهايتها المحتومة التوقف عن الإنتاج).

قضية لخصها كفاح غريزي في تلك الكلمات وتوقف أمامها مؤكدا أنها لا تزال تعتبر مشكلة وقضية عالمية في السينما رغم أن الإمارات لا تعاني حاليا منها نظرا لقوانينها المشددة، لكن هناك محاولة للحد من القرصنة عالميا ويستدل »غريزي« على ذلك من خلال اجتهادات بعض الشركات التي تعتمد فكرة نظام مكافحة قرصنة الأفلام السينمائية بوضع علامة مائية يتم إضافتها للأفلام الرقمية تتضمن هذه العلامة المائية معلومات عن صالة السينما ووقت العرض.

وبالتالي فانه عند تسرب احد الأفلام على الانترنت يمكن التعرف على مصدر النسخة التي تم تسريبها وبالتالي معاقبة دار السينما، وهناك باحثون آخرون يعملون على تطوير تقنية من شأنها القضاء بشكل قاطع على نسخ الأقراص الرقمية، حيث تعتمد الفكرة التي يعملون عليها من خلال تقنية جديدة تهدف إلي بث الأفلام مباشرة إلى صالات العرض عن طريق وسائط ربط تعمل عبر الأقمار الصناعية، وذلك دون الاستعانة بأجهزة الكمبيوتر أو النسخ على الأقراص، ما يعني القضاء على قرصنة الأفلام السينمائية الجديدة بصورة شبه نهائية.

ظروف وملابسات

(هناك ظروف وملابسات يمكن لها التأثير على أرقام إيرادات الأفلام ومنها كأس العالم لكرة القدم، وشهر رمضان الذي تهبط فيه المؤشرات إلى 05%، وهو ما يعني التفكير جيدا في نوعية الفيلم المعروض ومقدرته على الصمود).

يفند كفاح غريزي هذه الفترات قائلا: خلال إقامة كأس العالم لكرة القدم طرحنا في دور العرض ثلاثة أفلام (طفل الكاراتيه)، (الفرقة أ) و (فارس ونهار)، وهي أعمال استطاعت تحقيق نجاح جزئي في ظل عزوف نسبة كبيرة من جمهور السينما عن الذهاب إليها مفضلين متابعة المباريات، والأمر نفسه يتكرر حاليا خلال شهر رمضان، ومن أجل ذلك دفعنا بفيلم (الناضجون أو البالغون) الذي يستمر عرضه في صالات السينما حتى انتهاء عيد الفطر.

ويضيف »غريزي« هذا الفيلم وصفته مجلة »فيلم ريفيو« بأنه أكثر أفلام نجم الكوميديا آدم ساندلر إضحاكا منذ سنوات، فهو بسيط ومباشر من دون حبكة معقدة، ويدور حول خمسة من الأصدقاء الذين سبق أن حققوا بطولة كرة السلة المدرسية، يلتقون مجددا في يوم وفاة مدربهم، ويلاحظ الأصدقاء أنه ليس معنى أنهم كونوا أسر أنهم فقدوا سحرهم القديم، وأن البلوغ هو نتيجة ما يقوم به المرء، مما لا يجعل أي أحد من الأصدقاء أن يتحمس ليكون بالغا أكثر من أقرانه.

الفيلم يضم مجموعة من النجوم منهم (سلمى حايك)، (كيفن جيمس)، (كريس روك)، (روب شليندر) و(ديفيد سبيد) ، وهذا ما يجعل شركة كولومبيا مطمئنة إلى تحقيقه نتائج جيدة ويجعل شركتنا بالطبع مطمئنة إلى أنه يستطيع الصمود في صالات السينما وتحقيق إيرادات.

الأعمال العربية

(من المؤسف القول بأن السينما العربية لم تعد قادرة على محاكاة الطفرات العلمية والتقنية والخيال مثلما لم تتمكن في السابق من محاكاة القيمة الفكرية والفنية الجمالية لسينما هوليوود المسيطرة على نسبة كبيرة من الجمهور).

إجابة صادمة لكفاح غريزي عن سؤال حول الأفلام العربية وتأخر توزيعها خليجيا، وعدم اقتناعه بتغيير تلك الصورة رغم عزوف شركته عن التعامل معها لغياب عناصر (الدعاية والتريلر والمعلومات ورغبة أصحابها في بيعها قطعيا دون الاعتماد على شباك التذاكر).

وهذه الأعمال العربية كما يراها (غريزي) ومستواها غير القياسي في الصورة والصوت والبناء والأداء تشكل هي الأخرى سببا في عدم رغبة المشاهد في إضاعة الوقت لمشاهدة فيلم يمكن أن يشاهد أفضل منه قصة وأداء وتصوير ويحمل من المؤثرات والتقنيات الحديثة ما يثيره ويطلق عنان خياله.

دبي ـ أسامة عسل