»ظل يواظب على الحضور إلى عيادتي سنوات طويلة في بداية كل شهر، حاملا معه فاتورة الكهرباء الخاصة بالعيادة. كل شيء سيكون عاديا، لولا أن جابي الكهرباء كفيف«.

يقول صاحب العيادة الاخصائي في طب وجراحة العيون د. عبد المعز شاور: إن الكفيف يعمل في شركة الكهرباء بقسم توزيع فواتير الكهرباء على المشتركين، وأن طريقته في التوزيع تتمثل في انه يحفظ عن ظهر قلب الطرق المؤدية الى كل مشترك، فبعد ان يرتب أحد موظفي شركة الكهرباء الفواتير وفقا لبرنامج الكفيف، يعطيها إياه، فتكون الفاتورة الاولى لفلان الذي يسكن المكان الفلاني، والثانية والثالثة وهكذا دواليك.

يستخف المبصرون غالبا بقدرة المكفوفين على استخدام حواسهم الاربعة الاخرى »السمع واللمس والشم والتذوق« بكفاءة أعلى من المبصرين، ولا يجدون غضاضة أحيانا في التعامل مع المكفوفين أو حتى اشباه المكفوفين بفوقية.

وعلى حد تعبير رئيس جمعية الصداقة للمكفوفين ورئيس الاتحاد الآسيوي للمكفوفين احمد اللوزي فان »انعدام التشتت البصري عند الكفيف يجعله أكثر قدرة على التركيز، فيسمع أخفت الاصوات، ويميز بين اكثر الاجسام تشابها في الملمس. كما يستطيع اشتمام الروائح عن بعد، وكذلك تذوق المأكولات والمشروبات، فهو لا يراها لكنه يعرفها عن طريق رائحتها وطعمها.

ولكن ليس هذا ما يدعو للعجاب في قدرات الكفيف »جابي الكهرباء« هو أكثر من ذلك يلعب كرة الهدف للمكفوفين، بشيء من السحر.

من الصعب على المبصر فهم القدرة الفائقة للمكفوفين وطريقة تواصلهم مع بعضهم البعض خلال لعب كرة الهدف، وقدرتهم المذهلة على تمرير الكرات لبعضهم البعض، وفي تصويب الكرة الى الهدف، وطريقة حارس المرمى المدهشة في صد الكرات. احد هؤلاء اللاعبين كان الكفيف ايمن أبو شرارة، ولأبي شرارة قصة من نجاح.

لا يمكن أن تميزه عن المبصرين، فهو لا يستخدم العصا لأنه شبه كفيف، أقدامه تنتقل بنفس طريقة المبصرين، وإذا لم تلتقط شكل عينيه وحركتهما، فإنك قطعا لن تعرف أنه شبه مكفوف إلا بعد حين.

هو بكر والديه من مواليد 1891 اكتشف والداه انه غير مبصر بعد أربعين يوما من ولادته، فقبل ذلك كانت عينيه الزرقاوين أكثر ما يدخل السرور الى نفس والديه، فهما لم يكونا يعرفان أن زراق بؤبؤي عينيه الكثيف جاء من المياه الزرقاء الخلقية في عينيه وليس جمالاً على جمال.

الوالدان لم يهملا الامر، فواظبا طوال أربع سنوات على معالجته، وبعد ان اجري له جراحون ماهرون احدى عشرة عملية اصبح كالمبصرين، ولكن مع فوارق طفيفة لا يميزها الا من كان يعرف تاريخه المرضي.

درس ابو شرارة في مدارس المبصرين، وتعلم مثلهم، ومع ان عينه اليسرى كانت ضعيفة الابصار، الا ان يمناه كانت تعوضه عن ذلك.

ولكن لم يكن قدر أبو شرارة أن يعيش بعين واحدة، فقبل امتحانات التوجيهي للفصل الثاني عام 9991 تعرض لحادث سير أفقده البصر في عينه اليمنى تماما، وكون اليسرى من الاساس ضعيفة لا يميز الاشياء فيها الا على بعد ثلاثين سم، فانه لم يتقدم لامتحان الثانوية العامة للفصل الثاني، فذهبت كل احلامه بمستقبل واعد ادراج الرياح.

ويقول انه وقع أسير الاحباط واليأس، وقطعا تأثر بوالديه وشعورهما بخيبة الامل، فبعد ان اخذ يسمع عن زملائه في الدراسة الذين دخلوا الجامعات واصبحت لهم كينوناتهم المستقلة، لم يعد المستقبل بالنسبة له يعني شيئاً، فأخذ يعيش الحياة يوما بيوم.

ولكن للبعض القدرة على النهوض مجددا بعد العيش شيئا من الوقت اسير الاحباط®. ويحق له ذلك®.

بعد فترة أمضاها في الهم والحزن خرج من البيت ليتعلم حرفة تركيب وبرمجة أجهزة الستالايت فأصبح يقوم بتركيب الاجهزة للراغبين، ويعالج المشكلات الطارئة عليها، ولكنه ظل بلا رؤية للمستقبل.

يقول: لولا والدي لما انتقلت من القاع الى القمة في التفوق، فقد كانا يشجعانني على اتمام الدراسة، فيما واظبت والدتي على تحفيزي لاخراجي من حالة القنوط التي كنت اعيشها.

ويضيف، تقدم لامتحانات التوجيهي، واجتازتها عام 5002 ومن ثم دخل الجامعة الاردنية في تخصص التاريخ.

ابو شرارة الان على وشك التخرج في نهاية الفصل الصيفي، وهو يتطلع الى اكمال الدراسات العليا.

ولكن ماذا عن الرياضة؟ يقول مبتسما: »ماذا عنهاّ هي هواية اقضي فيها بعض الترفيه، ففي بلادنا الرياضة ماليا ما بتنفع المفتحين فكيف الكفيف«.

رغم دراسته لمادة التاريخ، إلا أن شغفه الاول والاخير منصب على العالم الالكتروني، فهو قادر على تصميم برامج الكمبيوتر وأما أكثر ما يشغل باله الان، فهو غياب فرصة عمل.

ويتابع، مع أن القانون فرض على كل مؤسسة حكومية أو خاصة يزيد عدد العاملين فيها عن خمسين عاملا تشغيل 4% من اصحاب الاحتياجات الخاصة في هذه المؤسسات الا ان الجهات المعنية لم تطبق بنوده لغاية الان، فصاحب العمل ان كانت الحكومة او من القطاع الخاص لا يعين مكفوفين في وظائف يجد لها مبصرين.

ابو شرارة يشرف اليوم على مختبر الحاسوب الناطق في الملتقى الثقافي للمكفوفين الواقع في حدائق الملك عبدالله، ومع انه يدفع أربعة دنانير للوصول والعودة الى الملتقى، في وقت هو بحاجة الى هذه الدنانير القليلة، الا انه يفضل هذا العمل التطوعي لانه يجعله خير معين لزملائه من المكفوفين.

عمان - لقمان اسكندر