تراثنا كنزنا. الجذر الذي مهما علت شجرة الأيام وتزينت واختلفت الوان اوراقها، يظل يشدنا الى التربة والأصل. التراث ليس حديثا مضجرا، انه حكايات لا تزال تنبض بالحياة، تماما كما الجذور تنبض بماء الحياة.

وكثيرة هي التقارير التي تتحدث عن تراث الامارات، وقليلة هي المقاربات التي لا تقع في فخ الاطالة او الضجر، في زمن انصرف فيه الشباب عن كتب التاريخ، الى محادثات »التويتر« و»الفيس بوك« وال»يوتيوب«. »الحواس الخمس« اراد في رمضان أن ينبش في خزانة تراث الامارات، أن يذهب في زيارات خاصة تستقصي وتسأل وتتذكر، مع المعنيين. جلنا في جبال، وتمشينا على شواطئ. استمعنا الى نغمات كادت أن تندثر لولا حرص مجموعة من المتحمسين الى التراث، وجهدهم في الحفاظ عليها ونقلها من جيل الى آخر. جالسنا صيادين وحرفيين وشعراء، وتوغلنا في ذاكرتهم الفردية والجماعية، في ذاكرة الحنين. في رمضان نفتح كتاب الحنين الى الماضي الجميل.

الطفولة جميلة وذكرياتها أجمل. وكل شيء قديم له رونق خاص، وفكرة العودة إلى تلك الأيام يراود الكثيرين منا لأنها المرحلة المليئة بالمغامرات والمرح، وكانت تختلف ألعاب البنات عن الأولاد وأحيانا يكون اللعب خليطا من الجنسين، وكل ما يتعلق بهذه المرحلة يمكن أن يشكل ذاكرة ممتعة نعود إليها بين حين وآخر فنبتسم لمجرد أنها خطرت على البال.

ولا شك بأن ألعاب الطفولة كان لها المساحة الأكبر في الذاكرة لارتباطها بالأصدقاء والمرح والمغامرات في الفرجان والتي لم نعد نمتلك الجرأة للتمتع بها في يومنا، لذا حين يتحدث الكبار عن ألعاب الطفولة فإنهم يعودون بذاكرتهم إلى المرح الفطري قبل أن تزحف التقنية على حياتنا فتسرق منها لذاتها البريئة.

المعشال، حبيل الزين، التيلة ، الكرابي، التبة، المريحانة ، خبز رقاق أسماء لألعاب شعبية عرفها الطفل الإماراتي في الماضي وتعلق بها حتى أصبحت جزءا من ذاكرته، وعند حديث »الحواس الخمس« مع الوالد سالم علي سعيد ارتسمت ابتسامة مليئة بذكريات الطفولة من مرح ولعب ومغامرات لا تخطر على البال قائلا:

»كنا مجموعة من عيال الفريج وكانت العلاقة وطيدة بيننا فكنا نصبح ونمسي مع بعض ونلعب الألعاب مثل محينيو فهي اللعبة المفضلة لدي حتى اليوم، لأنها كانت تعتمد على القوة حيث كنت اشتهر بالقوة والتزعم وقتها، وأساس اللعبة أن يقوم أحد اللاعبين عن طريق القرعة أو التبرع بربط (رجله) بخيط أو بحبل متين ويربط الطرف الثاني من الحبل بوتد مغروس بالأرض أو بثقل يمنع الحركة بحيث تقتصر حركة اللاعب المربوط من رجله على المسافة التي يوفرها له الخيط أو الحبل .

وبعد ذلك يقوم اللاعبون ويتراوح عددهم من أربعة إلى عشرة بالالتفاف حول اللاعب المربوط في محاولة (لصكه) أي لضربه بأرجلهم ولا يجوز أبداً استخدام اليد.

حنين الذاكرة

ولراشد محمد 65 سنة ذكريات وصور باقية في مخيلته وكأنه يراها بعينه فيقول: عندما تسحبني ذكرياتي إلى أيام الطفولة وأتطلع إلى صورة تجمعني وأصدقائي أحن إلى طفولتي كثيرا، بما أني من منطقة ساحلية كنت أخرج مع أبناء الجيران من الصباح الباكر متجهين إلى البحر نجمع القواقع والصدف وبعض الأسماك إضافة إلى ممارسة السباحة التي تعد ضرورة لكل سكان المنطقة، وألعاب الغوص التي تنمي قدراتنا على حبس أنفسنا لمدة أطول تحت الماء .

تنمية القدرات

تأخذ ألعاب الصبيان طابعا حركيا يحتاج إلى القوة وتكون فيه المنافسة أشد كونها تمثل جزءا من التربية البدنية والنفسية للطفل، ففي الماضي لم تكن هناك ملاعب أو دروس خاصة بالرياضة لكن تلك الألعاب كانت تمثل تعويضا مهما عنها.

حيث يشير جمعة بن عايش القايدي مسؤول نادي شوكة الرياضي إلى أن الألعاب الشعبية في الماضي للأولاد كانت تنمي قدراتهم الرياضية وتشعل بينهم روح المنافسة لأن ألعابنا في مناطقنا الجبلية كانت تعتمد على السباقات فالصبيان يقومون باجراء سباقات في الركض في الأراضي المنبسطة إضافة إلى سباقات في صعود الجبال.

حيث يبدأ الأولاد بتسلق صخور الجبال ومن يصل إلى القمة قبل غيره يكون هو الفائز، ومع ما في هذه اللعبة من صعوبة لكنها كانت من الألعاب اليومية التي تعودنا اللعب بها وممارستها بشكل مستمر، وكنا نلعب ألعابا ممتعة كثيرة منها طاق طاق طاقية، ولعبة »الديسيس« أو الغميضة.

أيام اول

أما الوالدة زينب علي فتقول: كانت أيام أول جميلة وطبيعية » الصغارية يلعبون عدال بيوتهم« وكانت ألعاب التبة والمريحانة والصقلة والحيا كلها موجودة ونستمتع بها، واليوم » الصغارية ما ادري شو يلعبون«؟

والألعاب الشعبية الخاصة بالبنات ترتبط بطبيعتهن الرقيقة وتقليدهن لأدوار الأمومة فنجد ألعاب العرائس التي تصنع من الأقمشة والأعواد ترافق الفتيات الصغيرات اللائي يتعاملن مع الدمية على أنها طفل صغير يحتاج إلى الرعاية، وتشير أم علي إلى ألعاب خاصة بالبنات قائلة :

قد تكون ألعاب البنات أقل تنوعا من ألعاب الصبيان لأنها ألعاب هادئة وترتبط بعلاقة الفتاة بأمها فلدينا لعبة » أم العيال« التي تمثل فيها إحدى الفتيات دور الأم لمجموعة من الأطفال التي تحميهم من الذئب.

السخامة »الفحمة

هي لعبة شعبية بحرية يلعبها الأولاد داخل مياه البحر حيث يتجمع عدد من الفتية ومع احدهم قطعة من السخامة باعتبارها تطفو فوق سطح الماء يضعها احدهم داخل كف يده ثم يبدأ بالتلويح بها على مستوى سطح الماء وداخله محدثا أمواجا ورشات من رذاذ الماء وبقية اللاعبين يقومون بنفس الحركة ثم يتركها من يده ويلتقطها احد اللاعبين وهكذا تستمر اللعبة وترى الأولاد بالماء يتطاير على وجوههم محدثين أمواجا وأصواتا.

الصقلة

تتمون اللعبة من خمس حصيات مختارة ومنتقاة بعناية بشرط ألا يزيد حجم الواحدة على حبة الفول، وتكون في الغالب ملساء ويتكون اللاعبون من اثنين أو أربعة حيث يقوم كل لاعب برمي حصاة واحدة في الجو ثم يلتقط الأربع بسرعة قبل أن تسقط الخامسة ثم يلتقط اللاعب كل حصاة على حدة بعد أن يلقي بواحدة في الجو ليلتقطها قبل ان تسقط ثم يقوم بمحاولة قلب يده بسرعة شرط أن يتلقى بظهرها الحصيات ليختار بعد ذلك اللاعب المنافس »عروسته« أي الحصاة التي يريدها وتكون في الغالب في مكان صعب على ظهر كف اللاعب الذي يجب أن يقوم بحركات متوازنة بكفه، يسقط معها الحصيات، باستثناء »العروسة« التي يجب مسكها بين إصبعين.

دبي - مريم إسحاق