لم يكن طبيعيا ذلك الألم الحاد الذي كان يباغتني على مدى أيام متتالية، فقد كانت السكاكين تقطع كليتي بينما يسرع بي والدي إلى قسم الطوارئ في المستشفى، حتى قرر طبيبي ادخالي إلى المستشفى لإجراء فحوصات كاملة لمعرفة سبب الألم، كانت المرة الأولى التي أخوض فيها تجربة المبيت في المستشفى منذ أن كنت طفلة، لذا رأيت في الأمر متعة أن أراقب كيف يعيش المرضى حياتهم وكيف يتصرفون.
دخلت متأنقة فكانت عيون النزيلات ترمقني بنظرات فاحصة فابتسمت وحييت الجميع بصوت عال لأكسر الجمود الذي يبدأ في بعض اللقاءات، كنت أحمل بعض الروايات وكتب الشعر معي لأتسلى بها، وقد قادتني الممرضة إلى سريري فبدأت بترتيب أغراضي سعيدة بتأثير المسكنات الذي خفف الألم كثيرا، وراغبة بأن أكتشف طريقة الاقامة في المستشفى.
بدأت بالتعرف على نزيلات المستشفى من مختلف الأعمار، وكنت أراقب الممرضات والأطباء والعاملين والزوار، وانتبه إلى أنواع الهدايا التي يحضرها زوار المستشفى، واستمع إلى جلسات السيدات اللائي يجدن متعتهن في النميمة، فكانت سيرة إحدى الممرضات تثير الانتباه، فالمرأة الصاخبة التي تجامل الجميع وتهتم بالمريضات هي الأكثر عرضة لنميمتهن، حيث كن يتهمنها بعلاقة مع أحد الممرضين، ويبدأن بالحديث عن مزاحها مع الطبيب المناوب أو ابتسامتها العريضة للزوار، وهو ما يثير حفيظتهن وتذمرهن.
نزيلات الردهة كن في الغالب من الأمهات، اللائي كن مرافقات لأطفالهن المرضى، وكنت أحاول التفاعل معهن ومعرفة حكاياتهن، حتى دخلت سيدة عشرينية معها طفل رضيع لم يكمل السنة من عمره، يبدو غريبا بسبب مظهر رجله المبقع وظهور الشعر في مناطق من رأسه دون أخرى، كانت المرأة هي المريضة وليس الطفل وقد رافقها زوجها.
وما أن وصلت إلى السرير حتى غادر الزوج ليحضر أغراض الطفل، وقد بدت متعبة جدا فحملت عنها الطفل وصرت أسأل عن حالتها، وعرفت أن عملية سريعة ستجرى لها خلال دقائق، كانت السيدات ينظرن باستغراب للطفل، وما هي الا دقائق حتى جاءت الممرضة لتأخذها معها إلى غرفة العمليات بينما بقي الطفل بين يدي وأنا لا أعرف ما أفعل به، أخذته معي الى سريري وبدأت ألاعبه، وهو طفل وديع جدا بينما بادرت إحدى السيدات إلى تحذيري قائلة لا تحملي الطفل هكذا ألا تخافين من العدوى الجلدية؟ أزعجتني قسوتها فقلت لها انه طفل صغير، وأمه تحمله ولا تبدو هناك أية مشكلة في جلدها.
مرت ساعة كاملة والطفل هادئ ثم بدأ بالملل والبكاء، أعطيته بعض الماء لكنه كان يبدو جائعا، فتشت في حقيبة أمه التي بقيت على السرير فلم أجد أي أثر لقنينة حليب أو طعام أطفال، قمت بخلط بعض الماء والسكر، وحاولت اطعامه هدأ لمدة قليلة، وعاد إلى البكاء مرة أخرى، حملته وبدأت بالتوجه إلى الأمهات المرضعات لإرضاعه، ولكنهن ما أن يرين شكل الطفل حتى ينفرن منه ويرفضن المساعدة، ذهبت إلى غرف أخرى في المستشفى ولم ينفع الأمر، كان صراخ الصغير عاليا جدا، وقد صرت أدور به ولا أعرف ما أفعل، صدمتني قسوة الأمهات، ولم أستطع أن أجد تبريرا لتصرفهن إلا بعد أن حاولت أمي أن تشرح لي خوف الأمهات على أطفالهن.
في هذا الوقت كانت الممرضة سيئة الصيت قد بدأت دوامها وهي امرأة صاخبة حين تحضر تطلق المزح وتغير جو المستشفى، وكنت أحبها على الرغم من كل ما يقال عنها، وما أن شاهدت الطفل بين يدي حتى سألتني من أين لك هذا الصغير وما سبب بكائه؟
حكيت لها القصة وقبل أن أكمل لها كانت قد ذهب إلى غرفتها وغسلت وجه الطفل وألقمته ثديها ليهدأ بالرضاعة ويكف عن البكاء، كانت تقربه إلى صدرها بحب وتمسح شعره ويديه، وقد بدأ الصغير يهدأ ويتراخى، وما أن شبع حتى استسلم للاغفاء، فطلبت مني أن أخرج من خزانتها شرشفا وأفرشه على سرير خال قربي ووضعت الطفل عليه وقالت لي اذا استيقظ اخبريني لأن أمه ستبقى تحت تأثير البنج ولن تستطيع ارضاعه، كنت أنظر إلى المرأة وأنا أقارن بينها وبين الاخريات اللائي كن يتناولنها بألسنتهن، فأجدها أكثر انسانية ومحبة منهن جميعا.
بقيت مع الصغير أراقب نومه بينما خرجت أمه من غرفة العمليات فكانت تنادي باسمه فطمأنتها عليه وقد عادت إلى النوم مرة أخرى، وجاء الأب مسرعا يحمل ملابس للرضيع ولأمه، وقد ذكر أنهما يعيشان وحيدين بعيدا عن أسرتيهما بسبب ظروف عمله.
استيقظت الأم بعد ساعات، أخذت طفلها بين ذراعيها، بينما جاءت الممرضة ومعها طبيب الإمراض الجلدية ليفحص الطفل وتشرف على علاجه خلال مدة إقامة والدته في المستشفى، فهي أم وتعرف ما تعني صحة الطفل وسلامته.
دلال جويد
