أتربة في كل مكان سواء في الخبز أو اللحية وحرارة شديدة وعواصف ترابية ووحدة لا نهاية لها. ورغم ذلك فإن آخيل موزر عندما يكون في الصحراء ، يشعر كما لو كان في منزله ويخوض الرحالة الألماني حاليا رحلة غير معتادة فهو يخترق الصحراء على قدميه وفوق ظهر الجمل أحيانا تعقبا لاثار القوافل القديمة. ويستدل الرحالة المنحدر من هامبورج في شمال ألمانيا على طريقه بالنجوم وببوصلة بدائية في مسافة يزيد طولها على 550 كيلومترا بين المحيط الاطلسي غربا ونهر النيل شرقا.

ويقول موزر 53 عاما: »لست بحاجة لهاتف محمول أو جهاز ملاحة فأنا أسافر كما كان يفعل التجار القدماء «.ويشبه موزر وهو يطلق لحيته الايطالي راينهولد ميسنر الذي تسلق أعلى جبال العالم. ويسير المغامر الألماني على خطى ميسنر إذ عبر جميع الصحاري في العالم تقريبا وسار لأكثر من 17 ألف كيلومتر على قدميه وكان الولع بالمغامرة والوحدة واللقاءات المثيرة هي دافع موزر للقيام بهذه المغامرات ولكنه اكتشف لاحقا أن بإمكان المرء كسب عيشه من الرحلات الاستكشافية إذ يبيع صور ومقالات حول رحلاته لاحدى المجلات المعروفة كما ألف حتى الان 42 كتابا حول رحلاته بالاضافة إلى مشاركته بصوره في برامج على شبكة الانترنت لعرض الصور بشكل متعاقب.

واكتشف موزر ولعه بالصحاري الجرداء عندما كان عمره 16 عاما حيث استقل وقتها القطار من تلقاء نفسه إلى المغرب. وعن هذه التجربة يقول الرحالة الألماني: »انضممت لقافلة من البدو من مراكش إلى الصحراء وكنت أجلس في المساء عند نيران المخيم وتشربت من الطبيعة«. ولكن هذه التجربة تسببت في غضب شديد داخل المدرسة التي كان يدرس موزر بها حيث أنه تأخر في الرحلة لمدة أسبوعين عن الموعد المحدد ولم ينجح في تسوية الامر مع إدارة المدرسة وتركها سبع مرات لاحقا ولم يحصل على شهادة إتمام الثانوية إلا بعد ذلك ثم درس فيما بعد الاقتصاد واللغة العربية وتاريخ أفريقيا وعلم الشعوب البدائية. ويعيش آخيل موزر حياتين مختلفتين تماما فهو أحيانا يجوب الصحاري وحيدا وفي أحيان أخرى هو مواطن في مدينة كبيرة وأب. ففي وطنه يسكن موزر في فيلا صغيرة ويذهب مع زوجته ريتا إلى الاوبرا وعروض البالية ويلعب كرة القدم.

ويحضر الرجل اجتماعات مجلس الاباء ليتعرف على سير ابنه ارون 16 عاما في الدراسة الثانوية. ويقول موزر: »أنا بحاجة للأمرين لتتحقق سعادتي« ويؤكد أنه لم يكن لينجح في تحقيق جولاته دون دعم عائلته. ويضيف المغامر: »لم ينجح أي شخص في تحقيق هذه الجولة الصحراوية الشمال أفريقية على قدميه وبواسطة الجمل«. وبدأ موزر مؤخرا جولة جديدة يقضي معظمها على قدميه وبمفرده ويكون لبعض الوقت على الجمل وبصحبة أحد المرافقين المحليين. وعبر موزر أربع دول وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا وبات قريبا من الوصول لهدفه. ويؤمن الرحالة الالماني بأن السير على الاقدام يساهم في صفاء الروح وعليه فإن كتاب موزر الجديد سيكون حول السعادة التي يمكن أن تجلبها الصحراء.

وتتنوع المخاطر في الصحراء بين العقارب والعواصف الترابية والاتربة والجفاف والثعابين. ويقول موزر: »لم أمر في حياتي بهذا الكم من الاشياء كما هو الحال في هذه الجولة«. ففي الجزائر تسللت إحدى أنواع الأفاعي التي يطلق عليها الأفعى القرناء تحت غطاء موزر الذي حالفه الحظ حيث اكتشف وجود الحية ذات اللدغة القاتلة في الوقت المناسب.

ولكن الرحالة الألماني يؤكد أن العارف بخبايا الصحراء لا يخاف من هذه الأشياء حيث إن البشر أخطر من هذه الحيوانات فقد تعرض موزر للاختطاف وإطلاق النيران والسرقة عدة مرات خلال جولاته بالصحراء. ويعرف موزر الشرق منذ عقود كما أنه يتحدث العربية بطلاقة ولكنه لم يشعر بالطمأنينة الكاملة خلال رحلته الأخيرة.

وشعر المغامر الألماني بهذا الأمر في الجزائر بشكل خاص حيث ذهب هو ومرافقه في إحدى المرات بعد أن قطعا 300 كيلومتر إلى إحدى البلدات للحصول على المياه والطعام وقال: »تتبعتنا مجموعة من الشباب وسبونا وضربونا بالحجارة. هكذا فحسب«

وفي مقهى صغير وضع مراهق حقيبة أمام موزر على المائدة وانطلق وهو يصيح قائلا: »قنبلة. قنبلة « واكتشف الرحالة الألماني بعد ذلك أن الامر كان مجرد »مزحة ثقيلة« ولكن هذا لا يمنع أنه أصيب بصدمة كبيرة.

ويحرص الرحالة الألماني بسبب هذه الحوادث على الابتعاد عن الأماكن الآهلة في الصحاري ولكنه يصادف أحيانا بعض الأشخاص في الصحراء. ويتذكر أنه التقى ذات مرة بشخص في قافلة قال له إنه يريد تفجير نفسه لنيل الشهادة ، وهو استعداد لا يمكن لشخص مثل موزر يحب الاستمتاع بكل مباهج الحياة ، فهمه.

ويسرد موزر تفاصيل موقف صعب آخر تعرض له ويقول: »استيقظنا ذات يوم لنكتشف اختفاء أحد جمالنا مع العلم أن سرقة الجمال لدى سكان الصحراء من الأمور المحرمة إذ قد يحكم على سارقها بالموت «. وتتبع الرجل ومرافقه آثار أقدام الجمل على الرمال واكتشفا أن سارقه هو شاب صغير دفعه فقر أسرته على الأرجح إلى القيام بهذا الأمر.

ويستفيد موزر من الوحدة خلال جولاته في التأمل والتفكر ويقول: »ارتباط أصول الاديان الكبرى ، اليهودية والمسيحية والإسلام، بالصحراء لم يكن هباء. فالكثير من الناس يصابون بالإحباط والاكتئاب في زمن التقنيات المتطورة«.

ويرى الرجل أن بوسع الإنسان إعادة اكتشاف نفسه بين الرمال والحصى والصخور ويؤكد أن »الصحراء تخفي بداخلها كل شيء وتحرر الإنسان من الكثير من الأمور ابتداء من مشاعر السعادة الغامرة وحتى نوبات الخوف القاتمة«

ويلمس موزر إقبالا شديدا على التعرف على خبايا رحلاته من خلال المحاضرات والكتب التي يتحدث فيها عن مغامراته ويرى أن الكثير من الناس لديهم في الوقت الحالي رغبة متزايدة في البحث عن شيء مماثل.

وتعتبر رحلة عبور الصحراء الأخيرة هي الأكثر تكلفة والأوسع في مسيرة الرحالة الألماني ولذا فقد أعد لها منذ عقود ويعتبرها بمثابة تتويج لجميع جولاته السابقة بشكل يشبه تسلق جبل إفرست بالنسبة لمحبي تسلق الجبال.

وقرأ موزر كثيرا عن طرق القوافل القديمة وعن المدن التجارية والثقافات الغابرة. وهو لا يركز في هذه الرحلة على الجانب الرياضي فحسب وإنما يرغب معايشة سحر الأرض والحكي عنها بعد ذلك بالإضافة إلى إحياء جزء من ماضي المنطقة ويقول إن من يتمعن الامر يدرك أن الطريق القديم الذي كان يربط مصر بالمغرب على سبيل المثال اندثر وضاعت معالمه

ولكن أطلال المدن على الطريق لا تزال تشير إلى عصر ازدهار القوافل التجارية. وزار موزر في المغرب منطقة سيجيلماسا الغارقة وفي تونس زار مدينة سبيطلة الرومانية القديمة والتي كان يوجد بها في الماضي كل شيء: مسرح ومعبد وينابيع.

وعن هذه الزيارات قال موزر: »ثمة سحر في الأمر فالمرء يشعر كما لو كان عاد للماضي «. ولا يخفي الرجل انبهاره بزيارة هذه المدن وغيرها من المدن القديمة ويؤكد أن مدينة بومبي الرومانية القديمة لا تساوي شيئا مقارنة بما شاهده. ولكن الرحالة الألماني يشير في الوقت نفسه إلى أن الكثير من هذه المدن لم تخضع للبحث الوافي من قبل المختصين.

ووصل موزر حاليا إلى المحطة الأخيرة في جولته وهي مصر وعندما يعود إلى ألمانيا فإنه سيشرع في وضع كتابه وبث الصور الخاصة بالرحلات إذ لا يوجد لديه حاليا خطط لرحلة جديدة في الصحراء. ولكن من غير المستبعد أن يرتدي ابن موزر جلباب والده ويسير على نهجه إذ أنه استغل عطلته الخريفية لزيارة النيل كما رافق والده ثلاث مرات خلال جولة بالصحراء.