شغفه بالفن السابع دفعه لبرمجة وتنظيم جدول حياته اليومية وفق ما يصدر في شباك التذاكر من أفلام حديثة، وتمتد أولى مشاهداته السينمائية لعدة عقود حين كان شاباً مراهقاً في ستينات القرن الماضي في العاصمة العراقية بغداد، وحين يستعيد صانع المجوهرات محمد الحكيم شريط ذكرياته مع السينما؛ فأنه إنما يستعيد ثقافة موسوعية في الفن السابع يندر وجودها لدى غير المتخصصين في مجال السينما، »الحواس الخمس« كان له هذا الحديث مع عاشق السينما محمد الحكيم للحديث عن حبه الأكبر:
في ستينات القرن الماضي؛ وحين كان شارع السعدون في بغداد يزدهي بمئات من المكتبات والمقاهي الأدبية والفنية وصالات المسرح، كانت صالات السينما تحتضن يومياً الآلاف من عشاق السينما في العراق، وكان من بينهم محمد الحكيم الذي يروي أنه كان يهرب من سور المدرسة في بعض الأوقات لمشاهدة فيلم سينمائي جديد. وكان من أوائل الأفلام التي شاهدها وجذبته للسينما أكثر هو فيلم »عربة الحرب« لنجم الغرب الأميركي جون واين والذي رافقه فيه كيرك دوغلاس، ويقول الحكيم: »لقد سيطرت أفلام رعاة البقر التي شاهدتها في الستينات على مخيلة شباب ذلك الزمن، وكان اسم جون واين نجم تلك الأفلام يسيطر على المشهد السينمائية بالإضافة إلى أسماء عديدة كتشارلز برونسون وكلينت إيستوود وكيرك دوغلاس، فانجذبت لعالم »الكاوبوي« لفترة طويلة، ولقد كان النجم »واين« مسيطراً على مخيلتي لأنه يختلف عن نجوم الكاوبوي الآخرين لعدة أسباب منها أن إطلالته وأناقته كانت مميزة عن غيره.
كما أن الأدوار التي يؤديها تبتعد عن كون النجم مدخناً ومدمناً على الشراب مثل إيستوود أو كونه زير نساء كما يظهر بعض النجوم الآخرين، وقد شدني من تلك الأفلام وشاهدته أكثر من مرة فيلم »العظماء السبعة« بجزئيه، وأذكر أن سجائر مارلبورو استعانت بموسيقى الجزء الثاني »عودة العظماء السبعة« كدعاية رسمية لها إلى اليوم منذ عام 1966م، وحازت هذه الماركة انتشارها لدى المدخنين من الشباب آنذاك من خلال هذه الدعاية«. يروي محمد الحكيم أن قيمة التذكرة في ذلك الوقت كانت تعادل حوالي ربع دولار ما يعادل 50 فلساً عراقياً لصالات الدرجة الأولى، وبعد مغادرته للعراق في بداية سبعينات القرن الماضي وإقامته في الإمارات لأكثر من 40 سنة، ظل محمد الحكيم على ذات برنامجه بالمشاهدة السينمائية.أما آخر فيلم شاهده في صالات بغداد، فكان فيلم »أبي فوق الشجرة« للراحل عبد الحليم حافظ.
ويقول: »لقد كانت بعض الأفلام العربية تجتذبني للمشاهدة، وأذكر أننا كنا نحتسب عدد القبلات في فيلم »أبي فوق الشجرة«، أما فيلم »شارع الحب« للعندليب وصباح فأتذكر ويتذكر أهل بغداد أن شارع السعدون الذي تقع فيه غالبية صالات السينما قد أغلق بالكامل أثناء عرض هذا الفيلم من أعداد الجمهور التي جاءت بالآلاف للمشاهدة، وأقولها بصراحة أنني لم أشاهد فيلماً عربياً واحداً منذ بداية السبعينات ولغاية اليوم، لأني أعتقد أن السينما العربية قد انهارت بالكامل ولم يعد لها وجود -وهذا رأي شخصي- وأحترم من يخالفه«.
في بداية السبعينات يظهر فيلم سيبقى خالداً في تاريخ السينما العالمية؛ ألا وهو فيلم »العرّاب« الذي أنتج عام 1972م وأخرجه فرانسيس كوبولا، يقول الحكيم: »حين ظهرت هذه التحفة السينمائية بجزئين في البداية 1972-74 ثم الجزء الثالث والأخير عام 1990م، حرصتُ على مشاهدته سينمائياً لأكثر من مرة، وما زلتُ إلى اليوم أعشق أداء آل باتشينو وروبرت دينيرو بسبب هذا الفيلم، أما الراحل مارلون براندو فلقد احتفظ ببريقه حتى بعد رحيله، وما يميز أداء الساحر آل باتشينو هو استحواذه على المشاهد وتنوع أدواره وأسلوبه المميز الذي لم أشاهد إلى اليوم من يناظره سينمائياً.
أما روبرت دينيرو فهو مدرسة سينمائية خاصة في جميع الأدوار وأشهرها الأدوار النفسية المركبّة التي برع فيها، وحين تتم إعادة عرض الفيلم في أي فضائية فأنا أحرص على مشاهدته مرة تلو الأخرى، ومن الأفلام التي أعتقد أنها ستبقى خالدة على مر العصور هو رائعة المخرج العالمي ستيفن سبيلبرغ »الحديقة الجوراسية« الذي أعتقد أنه الأفضل لغاية الآن في صنفه، ورغم ظهور تقنية ثلاثي الأبعاد التي شاهدت مجموعة أفلام منها؛ إلا أن صالات العرض السينمائية في الإمارات لم تصل إلى الآن إلى مستوى صالات الأبعاد الثلاثية في أوروبا، حيث تتفاعل كراسي الجمهور مع حركة الفيلم بصورة أخاذة«.
من أبرز التصنيفات السينمائية التي جذبت الحكيم في مرحلة أخرى من حياته؛ هي أفلام الرعب والفضاء.
ويقول في ذلك: »لقد جذبني هذا النوع من الأفلام منذ الإنتاج القديم لسلسلة دراكولا، وفي مرحلة الثمانينات والتسعينات تابعت سلسلة أفلام »آيلين« للمبدع رايدلي سكوت، فمنذ ظهور هذه السلسلة عام 1979م والتي أطلقت نجومية المتألقة سيغورني ويفر، وأنا أحرص على متابعة كل ما يمت بصلة لأفلام وحوش الفضاء، لأني أعتقد أن هذا الفيلم غيّر مضمون وطريقة تنفيذ هذا الصنف من الأفلام.
وحين أتحدث عن أفلام الرعب فأنا لا أعني بها أفلام البشاعة التي ظهرت بها بعض أفلام القتلة المهووسين من أكلة لحوم البشر أو سفاح تكساس أو غيره من الأفلام؛ بل أعني بها الأفلام التي تتعمق في الشخصيات على طريقة »ألفريد هتشكوك«، ومن أبرز أفلام الرعب التي ما زلت أتذكرها، هو فيلم »موت الشيطان« الذي اشتريت نسخة عنه أشاهدها في بعض الأحيان«.
محمد الحكيم كثير الأسفار للعمل والترفيه؛ ويحرص في كل مرة يسافر فيها إلى مشاهدة الأفلام الحديثة في صالات الدول التي يزورها، وهو يعقد مقارنة بينها وبين دور العرض الإماراتية.
ويقول: »لقد كانت صالات السينما في بغداد تسمح بالتدخين وتسمح للباعة المتجولين ببيع المأكولات والمشروبات للجمهور وهو أمر شاهدته في صالات السينما في القاهرة والرباط ودمشق وغيرها من المدن العربية؛ كما أن بعض أجهزة العرض السينمائية القديمة كانت تمر بحالة انقطاع وكانت الكلمة الدارجة في العراق في حال قطع الفيلم للحظات هي أن ينادي الجمهور بأعلى صوته »أعور« قاصدين به مشغل جهاز العرض السينمائي.
كما كانت تتعالى أصوات الصفير في مدن عربية أخرى، أما الصالات السينمائية الإماراتية فهي تتفق والمقاييس العالمية من حيث الراحة واختفاء المظاهر السلبية، إلا أن ما يقلق الراحة في بعض الأحيان هو صراخ وضجيج الأطفال في بعض الأحيان، كما أن عدم التزام بعض أفراد الجمهور بإغلاق الهاتف المتحرك تسبب إزعاجاً متكرراً«.
ولد الجواهرجي محمد الحكيم في بغداد في خمسينات القرن الماضي؛ اتجه إلى التمثيل في بدايته إلا أن رفض والده دفع لعالم الفن دفع به إلى عالم المجوهرات وهي مهنة العائلة، يملك الحكيم مكتبة سينمائية ضخمة بدأ بأرشفتها منذ الثمانيات، وهو يحرص على مشاهدة فيلم سينمائي جديد كل أسبوع منذ السبعينات وحتى اليوم.
أبو ظبي- محمد الأنصاري



