منذ تعرفت المجتمعات العربية على الفن السابع، ومع انتشار صالات العرض الجماهيري، في معظم المدن العربية، بدا أن علاقة الناس بالسينما أخذت تسير نحو شكل من التأثر العميق بهذا الطراز من الإبداع الجديد، ليس فقط على مستوى ما يؤمنه من دهشة ومتعة، لا يستطيعها غيره من الفنون، بل بما كان يوفره من فرصة الاستقبال الجمعي.

حيث تعرفت المجتمعات العربية على «طقوس» خاصة بالعرض السينمائي، تتجلى باجتماع أفراد الأسرة الواحدة من جهة والالتقاء من جهة ثانية بالأسر الأخرى ومختلف أفراد المجتمع ومستوياتهم العمرية والمهنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في صالة واحدة لمشاهدة الفيلم السينمائي، وما يسبق ويتلو الفرجة من أحاديث ولقاءات وحوارات ومناقشات، لا تتوقف عند حدود المجاملات بل تتضمن الكثير من تبادل الرأي والمعلومة والمعرفة، ما جعل من مشاهدة الفيلم السينمائي فرصة للمتعة والفائدة وجزءاً من حياة المجتمعات العربية ، وكان ذلك ما بين أربعينات القرن العشرين، حتى مطالع سبعيناته حيث تغيرت بعد ذلك المجتمعات وطقوس أفرادها.

واليوم نقترب من ضيف متخصص يلقي الضوء أكثر على جوانب العمل السينمائي ويأخذنا في رحلة من المعلومات التوثيقية تفتح آفاقا جديدة في علاقة السينما بالناس. بشار إبراهيم ناقد وباحث سينمائي، يعمل مجتهدا في توثيق السينما العربية وبالأخص الفلسطينية، التي أخذ على عاتقه مهمة لملمة أشلاء أفلامها في أعمال نقدية وفكرية وبصرية أرشيفية، فخلال سنوات عمله ومتابعته، استطاع إنشاء مكتبة بصرية تتضمن أكثر من 051 فيلما فلسطينيا، إضافة إلي قرابة 001 فيلم عربي وأجنبي تتناول جوانب من القضية الفلسطينية. يعشق التواصل السينمائي مع كل الاتجاهات وإن كان يميل إلي السينما المستقلة، ويطالب الجمهور العربي بالاهتمام بها، تماما مثلما جعلته سابقا يتعرف إلى مجتمعات أخرى يطل على أمكنتها وثقافتها وتفاصيل حياتها وهمومها وقضاياها.

يرى أن الجمهور حاليا يختلف على مستوى الشكل مع جمهور زمان، من حيث طريقة وآلية تعامله مع «طقوس» العرض السينمائي، بالإضافة إلي اختفاء الذهاب الجماعي (أسرة وأصدقاء وزملاء)، وغياب التأنق في الملبس والمظهر الذي امتد كذلك إلي الحوارات والنقاشات عن وحول ما يشاهدونه من أعمال. ويؤكد أن قلة الإنتاجيات العربية ساهمت في هيمنة السينما الهوليوودية على صالات العرض المحلية، وأنه من باب (اعرف عدوك) يشاهد الأفلام الإسرائيلية. وفي لقاء تم داخل سينما (سيني ستار) بمول الإمارات، ومع حرارة ازدحام الجمهور وملصقات الأفلام وألق النجوم والنجمات، كان لـ(الحواس الخمس) مع بشار إبراهيم هذه الوقفات التي أخذنا فيها إلى آرائه وأفكاره وانطباعاته عن الأفلام وكواليس السينما.

طقوس المشاهدة

(يحدث في كثير من الأحيان التوجيه من قبل بعض الأصدقاء، من النقاد السينمائيين أو غيرهم ممن لا يبخلون بالنصيحة، بدفعي إلى اكتشاف أفلام، تبدو بالنسبة لي مجهولة أو غير مكتشفة أو كنت غافلاً عنها، أصلا).

مدخل أراد من خلاله بشار إبراهيم إلقاء الضوء على طقوسه السينمائية، مؤكدا أن المواظبة على حضور العروض في صالات السينما باتت لديه، تتمازج فيها الرغبة في البحث عن المتعة والغوص في عوالم الدهشة، مع الحرص على التواصل مع المنجز السينمائي، باعتباره مهتماً ومتابعاً وكاتباً في مجال النقد والبحث السينمائي.

ويرى أيضا، أنه بات من النادر اليوم أن يجتمع ومجموعة أصدقاء للذهاب إلى السينما، بل صار من الشائع لديه الذهاب مفرداً لحضور الفيلم، دون أن ينكر أنه يحدث أحياناً أن يكون برفقة الزوجة، أو أحد الأولاد، أو أحد الأصدقاء.

وعن نوعية اهتماماته يقول ان الأفلام ذات القيمة السينمائية الفنية أو التقنية، أو الأفلام التي تعالج موضوعات فكرية أو سياسية، أو تعد بمنعطف ما في تاريخ السينما هي غالبا ما تجذبه، وبالتالي فإن انتقاء حضور فيلم عن آخر يتمّ لديه بناء على معرفة مسبقة بهذا الفيلم، بناء على القراءات المتواصلة، فيما يخص الشأن السينمائي، ومتابعة أخبار الإنتاجيات السينمائية المميزة أو بناء على سمعة المخرج، أو المرجعية الأدبية أو السياسية أو على اختيارات رسمية لمهرجانات ذات صيت موثوق وأحياناً بدافع حصولها على جوائز أو تنويهات.

قدوة تحتذى

(يمكن القول إن السينما أثرت بأفلامها على مختلف تفاصيل حياة الناس، بتطوير ثقافاتهم، وتوسيع معارفهم، والتأثير على طريقتهم في العيش، والمأكل والملبس والمشرب، وربما طريقة المشي والكلام).

نظرا لاتخاذ بعض الناس من السينما ونجومها قدوة تحتذي، يرى بشار إبراهيم ضرورة التخفيف من مشاهدة الأفلام الهوليودية الأقوى والأكثر إبهارا، والتوجه نحو سينما أخرى يدفعنا إليها انتماؤنا الجغرافي والتاريخي والثقافي، وهمومنا وقضايانا الفكرية والسياسية والوطنية، ولهذه الأسباب يميل إلى سينما بلدان وشعوب ودول تشبهنا، مثل سينما آسيا، أو أفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، أو سينما نافرة، متمردة، مستقلة.

تأتينا من الولايات المتحدة الأميركية، أو أوروبا الغربية، ويبرر ذلك حتى يحدث توازنا أمام الجرف الهائل الذي تفعله السينما الأمريكية، والأوروبية الغربية، وبالتالي ينوه إلى ضرورة الالتفات إلى السينما الإيرانية، والتركية، والبرازيلية، والسينما القادمة من المكسيك وفنزويلا، لأن سينماها تغدو اكتشافات بحد ذاتها، كما في السينما الأفريقية، وعلامات بارقة مثل السينما اليابانية والفلبينية، والجاد من أفلام السينما الهندية.

سينما رائعة

(السينما المستقلة، تعدنا دائماً بالمتميز من أفلام، بما تمتلكه من جرأة على مستوى الشكل البصري، والبناء الفني، كما على مستوى المضامين والموضوعات والقضايا التي تحاول تناول المسكوت عنه).

رؤية تعكس ابرز الاتجاهات السينمائية من وجهة نظر بشار إبراهيم، والتي يدعو أن تنتشر لدى الجمهور العربي ميزة الاهتمام بها، لكونها جاءت تعبيراً عن رغبة وإرادة سينمائيين حقيقيين في الخروج عن إطار وأسر وقيود الاستوديوهات المتحكمة بصناعة السينما، فكان أن بادر سينمائيون مستقلون إلى إنتاج أفلامهم المتميزة فنياً ومضمونياً، بميزانيات قليلة، واستطاعوا إثارة الدهشة لكل من استطاع مشاهدة هذه النتاجات السينمائية الرائعة فنياً، والعميقة في طرحها، والقريبة من الناس، في واقعهم، وهمومهم، وتفاصيل حياتهم، دون تشويه أو ابتذال أو استغلال.

4ـ أعمال مستقلة

(أشاهد للمتعة، حتى عندما أكون أنوي الاشتغال على الكتابة عن هذا الفيلم، أو ذاك، فالمتعة عنصر أساسي في الفن، وأحاول قدر الإمكان أن لا أضيعها، على الرغم مما يستلزمه النقد والتحليل من حياد بارد)..

يعكس بشار إبراهيم هذا المنطق على مشاهداته هذا العام ويسترسل قائلا: ربما يصعب عليّ إحصاء ما رأيته، فثمة سلسلة طويلة من الأفلام المستقلة، والأفلام ذات الميزانيات المحدودة، ومنها فيلم قادم من البيرو، اسمه «حليب الأسى»، وآخر من الأرجنتين، عنوانه «السر في عيونهم»، وليس آخرها فيلم «دون بن لادن»، للمخرج الهندي إبهشيك شارما، الذي يتناول ببراعة مسألة الحلم الأمريكي لدى قطاعات واسعة من شباب العالم الثالث.

كما يتناول الهوس المخابراتي المجنون بموضوع «أسامة بن لادن»، فيقوم الفيلم بتوجيه سهام النقد اللاذعة، بكوميديا خفيفة، لا تنحدر أبداً إلى الخفة أو التهريج، كذلك لا أنسى الفيلم الجزائري «مسخرة»، الذي جرى عرضه الجماهيري، قبل أشهر، بمبادرة من مهرجان دبي السينمائي، بالتعاون مع مجموعة شركات توزيع محلية، وهو الفيلم الذي نال العديد من الجوائز والتقدير والحفاوة، بسبب صدقه وذكائه وقدرته على الاحتفاء بالناس البسطاء، من خلال كوميديا عالية، دون الاستخفاف بهم، وبأحلامهم.

وكذلك فيلم «عصافير النيل»، للمخرج المصري مجدي أحمد علي، في عمل يستلهم رواية الأديب إبراهيم أصلان، ليناقش التحولات الكبرى التي جرت على هامش مدينة القاهرة، وما لاقاه الريفيون في انتقالاتهم من قراهم للعيش على حافة المدينة.

تستحق الاهتمام

(السينما الفلسطينية تستحق من الجمهور العربي، الاهتمام والمتابعة والمشاهدة، وإني على ثقة أن المشاهد العربي سيكتشف إنه إزاء سينما جديدة شكلاً وموضوعاً وقادرة على طرح قضاياها بقوة وعمق).

تقديم لافت أكد خلاله بشار إبراهيم أن السينما الفلسطينية تقف الآن في صدارة المشهد السينمائي العربي؛ المشهد غير التجاري طبعاً، فالسينما الفلسطينية اليوم ثرية، وتزداد ثراء بأفلام ومخرجين ومخرجات، شبوا عن الطوق، ووصلوا أقصى أصقاع الأرض، ومختلف نواحيه، خاصة على صعيد العروض الرسمية، ومشاركات المهرجانات العربية والعالمية.

ويواصل قائلا: اليوم باتت السينما الفلسطينية قادرة أن يصل أحد أفلامها، ولمرتين خلال سنوات معدودات، إلى التصفيات الأخيرة لجائزة الأوسكار، كما باتت قادرة على أن يكون أحد مخرجيها ضمن النخبة الأقوى عالمياً، والمتنافسة في مهرجان كان السينمائي، فضلاً عن الحضور في مهرجانات برلين وفينيسيا، كما في دبي وأبو ظبي والقاهرة ودمشق وقرطاج والرباط.

دبي ـ أسامة عسل