لم تكن يوما أمي فقط، فقد كانت أختي وصديقتي، حين أقارنها بأمهات صديقاتي أكتشف كم أنا محظوظة بها، فهي الصدر الذي يتسع لغضبي وأسراري ومشاكلي، وكانت الابتسامة لا تفارقها حتى ظننت أنها لم تعرف الحزن أبدا، ولم أكن أعرف أنها تخفي ألمها وحزنها عشر سنوات كاملة، أبعدني العمل عنها إذ حصلت على وظيفة مضيفة طيران وصرت أنتقل من بلد إلى آخر، سعيدة بتك التجربة، وكانت تشجعني على تحمل البعد وتخفف عني بابتسامتها الدائمة.
قبل شهر عدت لأزورها وأطمئن عليها، كان شوقي مجنونا، وكنت أتمنى لو أني أقود الطائرة لأجعلها أسرع وأسرع، اشتريت لها الهدايا الصغيرة التي تحبها، أحضرت معي ما جمعته من رحلاتي المختلفة وكنت أشتهيه لها كلما دخلت بلدا مختلفا، تحف صغيرة أقراط عقود ملونة، كنت أشعر أن علي أن أدللها كما دللتني، لم تستقبلني في المطار كما تعودت.
وصلت إلى البيت ووجدت منظرا بث الرعب في نفسي فأمي التي كانت تحافظ على شبابها دائما كبرت عشر سنوات، كانت متعبة وحركتها صعبة جدا، لم اتمالك نفسي من البكاء على حالتها حملتها إلى المستشفى، فصدمني أنها تمتلك ملفا طبيا منذ عشر سنوات، وأنها مصابة بالسرطان وتخضع للعلاج منذ سنوات طويلة ولم تخبرني أو تشعرني بالأمر، فأي ألم تحملت بصمت وكيف واجهت دنو الموت منها كل تلك السنوات؟
لم أتخيل يوما كيف تكون الحياة من دونها، وكيف يمكن لهذا البيت الذي مست أصابعها كل تفاصيله أن يكون خاليا منها، كنت دائما أتخيلها تختار لي ثوب عرسي وتقف الى جانبي حيث تفرح باليوم الذي تتمناه لي دائما، ولكن أن يكون السرطان في مرحلته الرابعة.
وتكون من الموت قاب قوسين أو أدنى هذا ما لا أستطيع تقبله أو حتى التفكير به، بقيت معها ايام إجازتي في المستشفى، وحين تحسنت حالتها عدنا إلى البيت وأنا منهارة من الحزن والخوف عليها، حاولت أن أتماسك أمامها ووجدتها أكثر تماسكا وصبرا مني، كانت تبتسم وتطلق النكات في وجهي لتجعلني أضحك، وكانت ضحكتي تشق طريقها بين دموع صامتة أحاول اخفاءها عنها.
فقد اكتشفت وللمرة الأولى في حياتي كيف أتعامل مع الحزن بصمت، كنت إذا ما انزعجت قليلا اتصلت بها وبكيت وكانت تهدهدني وتضحكني وتشاركني في تقديم حلول لا تخطر على بالي، أتذكر كيف كانت تبتسم لي بكل محبة الامهات وهي تستقبلني في كل مرة أعود إليها في اجازتي، والآن جاء دوري لأكون معها ولكن كيف، وما الذي أستطيع فعله، وليس بيدي شيء؟ هواجس ومخاوف تلاحقني وتقض مضجعي فلا أستطيع النوم وليس لي سوى الدعاء والتحلي بالصبر.
عدت إلى عملي مضطرة فقد انتهت الاجازة وليس من وسيلة لتمديدها، وعملي هو مصدر رزقنا الوحيد وهو الذي يغطي تكاليف علاجها، ولكن كيف أكون بعيدة عنها وأنا اعرف أن الموت قريب منها، يوجعني أن أنطق كلمة الموت ويوجعني أكثر أن أراه يقترب من أمي، اعتزلت أصدقائي وحياة المرح التي أعيشها، صارت صديقاتي يحاولن مواساتي لكن حزني أكبر من أية مواساة فكل يوم يعني مواجهة أخرى مع الموت وكل لحظة تمر تعني كونا من الآلام تتحملها أمي والألم الأكبر هو أني بعيدة عنها.
والدي توفي بعد تخرجي من الجامعة، كانت صدمتي كبيرة وكذلك حزني، لم أفكر بأمي وكيف فقدت رفيق دربها، فقد بدت قوية جدا أمامنا أنا وأخي وشدت من أزرنا وحاولت أن تعوضني عن أبي، حيث كنت طفلته الوحيدة المدللة، شعرت أني كبرت، لكني صرت أكره الموت وأخاف منه، وأفضل التفكير بالحياة وتطمين نفسي دائما أن أمي معي وهي التي تسقيني من محبتها وحنانها، أعدت ترتيب حياتي.
وقررت أن أتحمل مسؤولية الانفاق على بيتي فأمي في حاجة لي وأنا أمتلك شهادتي التي تمثل سلاحا بوجه الزمن، كنت أستمد قوتي منها ومنها أتعلم كيف أكون متوازنة وقادرة على تحمل مصاعب العمل والحياة والبعد عن البيت والوطن، وصارت أمي المعنى الجميل في حياتي، أستشهد بأقوالها ونصائحها وأفعالها، وأحيانا ابتسم لتندر صديقاتي علي إذ أنهن يسمينني «حبيبة أمها»، واليوم قلبي يعصره الألم لست الحبايب التي تواجه مرضا مفترسا لا شفاء منه.
أخاف أن تموت ولست بقربها، أخاف أن تمر الأيام ويأتي اليوم الذي لا أرى وجهها فيه، أخاف أن تتمنى أن تراني لآخر مرة ولا تستطيع، أخاف وأخاف من أشياء كثيرة لم أفكر بها أو أتوقعها يوما، أشعر أن الحياة كشرت لي عن أنيابها السوداء لتصبغ أيامي بحلكتها، فلا شيء يمكن أن يعوض غياب الأم ومحبتها.
أخي الوحيد يعيش الألم مثلي، لكنه متزوج وأب ولديه من المسؤوليات ما يجعله غير قادر على أن يتحمل تكاليف علاج والدتي، وأنا أمتلك فرصة العمل الجيدة لكني لا أستطيع أن أكون بقربها، وتلك الدوامة التي أعيشها تجعلني في معادلة صعبة فلا أستطيع ترك عملي والبقاء إلى جانبها ولا أستطيع تركها بعيداً وهي تواجه الألم والمرض والخوف.
دبي- دلال جويد
