للمخرج الإماراتي صالح كرامة العامري ذاكرة مع السينما مشاهداً ومخرجاً، فلقد جذبته الشاشة البيضاء منذ أكثر من 4 عقود حين كان عشاق السينما يشاهدون الأفلام في الهواء الطلق في أماكن متعددة من أبوظبي، ففي مقر النادي الأهلي »الوحدة حالياً« .
وسينما الفردوس بطريق الميناء وغيرها من أمكنة السينما المكشوفة نهاية ستينات القرن الماضي، بدأت علاقة العامري تزداد يوماً بعد آخر، »الحواس الخمس« تجولت معه في رحلة عبر الزمن لاستعراض ذكرياته ورؤيته فيما بعد لعالم السحر السينمائي:كان فيلم »أربع بنات وضابط« للراحل أنور وجدي ونعيمة عاكف، هو أول فيلم سينمائي يشاهده العامري في نهاية ستينات القرن الماضي بسينما النادي الأهلي المكشوفة في أبوظبي، وكان العامري كغيره من شباب ومراهقي تلك الفترة يتسلقون الأسوار المحيطة بالسينما لمشاهدة الأفلام، يقول:
»لقد شكّلت تلك الفترة والمشاهدات رؤيتي الأولى البسيطة لعالم الفن السابع.وكانت الأفلام العربية كفيلم الحب الكبير للموسيقار فريد الأطرش والأفلام الهندية التي كنا نشاهدها في سينما الفردوس هي البذرة الأولى التي نبتت في ذاكرتي عن السينما، وما زلتُ أذكر إلى اليوم العلاقة الاجتماعية الحميمة التي كانت تربطنا آنذاك كشباب، وكيف كنا نؤدي بعض فقرات الأفلام التي كنا نشاهدها بصورة عفوية«.بعد فترة الأفلام الهندية والعربية التي شهدتها أبوظبي نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، تدخل الأفلام السينمائية آنذاك إلى مرحلة السينما الهوليوودية من أوسع أبوابها مع أشهر الأفلام التي تصدرت شباك التذاكر، يقول العامري:»لقد ظهرت موجة من الأفلام السبعينية التي نقلتني إلى عوالم أخرى من الرؤية السينمائية، ففيلم مثل -أحدهم طار فوق عش الوقواق- للممثل العبقري جاك نيكلسون وأخرجه ميلوش فورمان عام 5791م.
شكّل بالنسبة لي عوالم من الدهشة بقوة الأداء والحبكة الدرامية المأخوذة عن رواية كين كيسي، فأداء نيكلسون في ذلك الفيلم الذي تدور أحداثه داخل مستشفى للأمراض العقلية، كان جديراً بالتدريس في معاهد التمثيل، وبقيت مفتوناً بأدائه وتابعت أغلب أفلامه .
ومن ضمنها الفيلم المعاد إنتاجه عام 1891م -ساعي البريد يطرق الباب مرتين- وشاركته البطولة فيه جسيكا لانج وفيه تصاعد أداء هذا النجم الذي ظللتُ مشغوفاً به طيلة عقود من الزمن، كذلك جذبني في تلك الفترة أداء النجم العالمي روبرت دي نيرو في فيلم العرّاب.
ومن بعدها شاهدتُ فيلمه »صائد الغزلان« عام 8791م الذي شاركته فيه البطولة ميرل ستريب فكان الأداء المميز للثنائي يضعني أمام تساؤلات إنسانية وفنية حول الآفاق التي يمكن أن يبلغها الممثل في تقمص دوره«.
روائع
رائعة كوبولا »العرّاب« بأجزائها الثلاثة تركت بصمة في تاريخ C لن تنسى مهما تطورت السينما بأشكالها التقنية والتكنولوجية، ويرى العامري أن العبقري فرانسيس كوبولا استطاع أن يقوم بتحريك الممثلين والكاميرا بطريقة استثنائية لن تتكرر مع محالفة الحظ له بوجود هذا الكم من النجوم والمبدعين من الممثلين الاستثنائيين، ويستعيد العامري بعض ذكريات المناقشات السينمائية التي كانت تجري بعد العروض السينمائية فيقول:
»لقد تشكّل وعيي ووعي أبناء جيلي من الفنانين والكتاب سينمائياً لا من خلال المشاهدة فقط، بل كانت المناقشات التي تجري في مسرح الاتحاد في أبوظبي تشكل رافداً مهماً من ذلك الوعي والرؤية فيما بعد.
وكانت نقاشاتنا يغلب عليها الطابع التحليلي المنطلق من عملنا في المسرح عبر مخرجين كبار كانوا يقيمون في الإمارات كفاروق أوهان وإبراهيم جلال وعدد من المخرجين العرب الذين يدين لهم المسرح والفن الإماراتي بالكثير في مرحلة التأسيس.
وكانت مشاهداتنا وتقييمنا للأفلام السينمائية تختلف بصورة واضحة عن مشاهدات الجمهور العام، ولم يكن هناك تلاقٍ بين تلك المشاهدات والإعجاب -إلى اليوم- إلا فيما ندر من أفلام يشترك فيها المثقف وغير المثقف سينمائياً«.
قائمة عالمية
للعامري قائمة أفضلية بالنسبة للمخرجين والأفلام السينمائية تختلف عن غيره من المشاهدين، فبحكم دراسته وإخراجه للعديد من المسرحيات ذات الطابع الجاد، وبعض الأفلام السينمائية ومنها فيلمه »حنّة« ذو الحس التجريدي، فإنه يعتمد بصورة واضحة على مدى عمق فلسفة الفيلم ومخرجه في الحكم عليه، وتمتاز قائمة الأفضلية لدى العامري بالعمق والجدية والتحليل البعيد عن الرؤية التجارية للسينما، يقول:
»إننا حين نعرض النتاج السينمائي الإنساني على بساط البحث والرؤية، نجد قائمة من الأسماء التي تركت أثراً كبيراً في مسار السينما، فمخرج عبقري كالروسي آندريه تاركوفسكي الذي يعتبر من أرباب سينما التحدي، ما زالت أفلامه تدرس في الأكاديميات السينمائية حول العالم.
فلقد أخرج في مسيرته ثمانية أفلام تعتبر بأجمعها روائع خالدة، طفولة إيفان عام 2691 استند إلى لغة مغايرة في بناء المشهد السينمائي، إذ كان يؤكد دوماً أنّ الإيقاع هو العنصر الأساسي المكوّن للسينما، كن هناك عناصر أخرى أخذت تبرز في أعماله مثل بصمة الزمن على الأشياء، وما تتركه على روح الشخصيات وفي فيلم »الحنين«1983 يستكمل هواجسه الروحية والدراما الداخلية للبشر في اضطرامها وصراعها مع المجهول، وهكذا هو مع كافة أفلامه«.
زمن آخر
أما المخرج الآخر الذي ترك بصمة في ذاكرة العامري السينمائية فهو البولندي كريستوف كيسلوفسكي الذي انطلق من المسرح في الستينات وعمل في السينما الوثائقية، يقول العامري:
»حين نأتي إلى ثلاثية كيسلوفسكي السينمائية الشهيرة -أزرق، أبيض، أحمر- التي ناقش فيها سينمائياً الرؤية لمبادئ الثورة الفرنسية من خلال ألوان العلم عن الأخوة والحرية والمساواة، فهو لم يقدم رموز تلك الألوان في أفلامه الثلاثة من منظور سياسي بل من المفهوم الميتافيزيقي لحالة شخصيات وأبطال تلك الأفلام.
وقد أدت النجمة جولييت بينوش دور البطولة في فيلم -أزرق- بأسلوب أخاذ وكذلك فعلت زميلتها الممثلة أيرين جاكوب في فيلم -أحمر- وكيسلوفسكي في أفلامه هذه وغيرها، استطاع أن يقدم رؤية فلسفية لشخوص أفلامه تتماهى مع أعمق تفاصيل النفس البشرية، وصوّر كيف أن القيود التي تكبل بها بعض الأنظمة في العالم مواطنيها يمكن أن تخلق عالماً من التعاسة والبؤس يفضي إلى النهايات المحتومة«.
كما يرى العامري أن موجة مخرجين كالبريطاني مايك لي الذي يعتبره عبقري السينما البريطانية والسويدي إنغمار بريغمان تركوا بصمات لا تنسى بتاريخ السينما، ويشير العامري إلى ثورة ثقافية عارمة كانت تجتاح العالم في أيام شبابه في الستينات والسبعينات، ويضيف:
»حين نأتي إلى عالم تلك الفترة نجده مختلفاً وعميقاً في كافة الاتجاهات فمناقشة الأفكار الفلسفية والسياسية والاجتماعية كان شائعاً بين أوساط المثقفين آنذاك، وهو ما أفرز منظوراً مختلفاً لصناعة السينما والمسرح والتشكيل والأدب والفنون الأخرى وأفرز أجمل الأعمال الفنية والأدبية على مر التاريخ، فكان الحراك مشتعلاً أينما اتجهت، أما عالم اليوم وسينما هذه الأيام -على وجه التحديد- فلقد اعتمدت على التكنولوجيا بصورة كبيرة.
ففرغ الفيلم السينمائي عن محتواه في سينما هوليوود وبوليود وبعض مراكز صناعة السينما، ولم يعد هناك اهتمام بفلسفة الصورة والأداء والرؤية الإنسانية للقصة وعشرات من نقاط القوة التي كان يطرحها الفيلم السينمائي في السابق، وأعتقد أن صناعة السينما من حيث التقنيات والأموال والإنتاجات الضخمة قد تزايدت بينما تم الإعلان عن احتضار السينما برؤيتها الفنية والفلسفية الحقيقية«.
أبوظبي- محمد الأنصاري


