تواعدت مع زوجي بعد زواجنا مباشرة أنه كلّما رزقنا الله بطفل نصلي صلاة الشكر لله على نعمه، وحافظنا على الوفاء بهذا الوعد على مدى المرات الأربع التي رزقني الله فيها بأطفالي »محمد، خديجة، زهراء، وناجية«.
ولم يمض على ميلاد الأخيرة أشهر قليلة حتى رحل زوجي في حادث سيارة تاركا لي الوحدة، مسؤولية الأبناء، والديون، لكن الصبر باب واسع للنجاة من اليأس وكَبَد الحياة التي لم تكف أذاها عنا، واكتفيت بالسعادة التي يدخلها عليَّ أبنائي المتفوقون والملتزمون بدينهم.
فكنت أصحو مبكرا لأعد لهم الطعام قبل الذهاب إلى مدارسهم، أوقظهم جميعا ليؤدوا صلاة الصبح كما عوّدتهم، وذات يوم وأنا أوقظ محمد البالغ من العمر 7 أعوام أخبرني بأنه لا يقوى على القيام من سريره، ظننت أنه يتكاسل عن المدرسة أو الصلاة وهممت بعقابه، إلا أنني توقفت عندما شعرت بأنه لا يقوى على الحركة بالفعل، وبدأ الخوف ينتابني، كان صباحا غريبا كسرنا فيه عاداتنا، وعاشت فيه الأسرة لحظة فاصلة في حياتها.
لم أفعل شيئا في هذا اليوم سوى ذهابي بابني إلى الطبيب الذي أخبرني بعد فحوصات طويلة استمرت لأيام أنه أُصيب بمرض غريب في الأعصاب يسبب توقفا تاما في النشاط الحركي للجسد، وأبلغني بوضوح أنه لن يمشي، لن يكتب، ولن يستطيع تحريك رقبته يمينا أو يسارا. لم أصدق أذني، أصابني وجوم شديد في طريق العودة إلى البيت، لم أكن أعرف ماذا سأقول لابني الذي كان يملأ الحياة نشاطا.
مرت الأيام واكتفيت بمرورها الذي أخبر »محمد« بحالته نيابة عني، فلم أكن أقوى على مواجهته وهو يسألني: »لماذا لا أستطيع القيام كما كنت؟«. لقد تمكن المرض المجهول من ابني وحدث ما أخبر به الطبيب تماما، وبدأنا نتعوَّد على الوضع بالصبر، صغيري في سريره لا يتحرك، فقط يتكلم مع إخوته، يفكر وينطق، أما الحركة فلا وجود لها في أي جزء من جسده.
وبينما نحن كذلك إذا بابنتي »خديجة« ذات العشرة أعوام تظهر عليها أعراض المرض نفسه الذي أصاب محمد، فشعرت بأن الدنيا تسحب البساط من تحت قدميّ شيئا فشيئا، وكأننا نسقط في بحر من الرمال المتحركة واحدا بعد الآخر.
وبمرور الوقت وُضعت خديجة في سريرها هي الأخرى لا تتحرك، فقط ترفع عينيها إلى سقف الغرفة وتتكلم بما تريده، أما الحركة فأصبحت سرابا، وبقيتْ إلى جوار شقيقها محمد يرفعان أعينهما إلى السماء وكأنهما في حالة دعاء دائمة.
جلست أنظر بضعف إلى ابنتي »زهراء« متوجسة من أن يأتي عليها الدور بين لحظة وأخرى وتأخذ موقعها على سرير ثالث بجوار محمد وخديجة، وبالفعل لم يطل انتظاري كثيرا، وجاء الدور بالفعل على زهراء حين بلغت سن المرض، واكتملت الثلاثية بها، وصار الثلاثة في أسرَّتهم لا يبرحونها إلا محمولين، يتكلمون فقط®.
ومع ذلك كان الله رحيما بنا، فقد أفلتت الابنة الصغيرة »ناجية« من المرض، وكأنها أخذت من اسمها نصيبا، فنجت من ملازمة السرير مثل إخوتها، وتعجبت من أمر هذا المرض الذي أصاب ثلاثة وترك الرابعة، فعرفت أنه باب الرحمة الذي فتحه الله علينا كجزاء حسن من الله على صبرنا الطويل على المحنة العجيبة.
وفي الوقت الذي وصل فيه محمد إلى عمر 33 عاما وخديجة إلى 23 عاما وزهراء إلى72 عاما وهم في حالة المرض الغريب، ظلت »ناجية« تساعدني على القيام بأعباء البيت ومساعدة إخوتها في شؤونهم، تحركهم قليلاً أو تحملهم إلى الحمَّام ليغتسلوا، وكنت أقوم أنا بمهام إطعامهم ورعايتهم، لكن بعد وصولي إلى سن السبعين انهارت قواي، وتحملت ناجية المسؤولية عني، وكأنني بتقدمي في السن أضفت عبئا جديدا عليها في تحمل هم أسرتها المنكوبة.
وطوال عمري لم أتوقف عن الدعاء لأبنائي بالشفاء رغم أن الأطباء جميعا أخبروني بأنه لا سبيل إلى الشفاء من هذا المرض، فهو لا يُميت، لكنه لا يرحل، لكن علينا أن نقطع سبيل الأمل حتى آخره، فقد ألزمت أبنائي طوال سنوات المرض التي طالت - وستطول - بمواصلة الدعاء، فحين يصل الإنسان بالطرق المادية المعروفة إلى طريق مسدود، عليه أن يتخذ من الطرق الروحية علاجا، ولن يتم ذلك إلا بالإيمان والصبر.
أما عن »ناجية« وهي في الخامسة والعشرين من عمرها حاليا، فقد رفضت باستماتة الارتباط بأي عريس من العشرات الذين تقدموا لها، فقد كان شاغلها الأول هو رعاية أشقائها ومحاولة التخفيف عني بتحمل عبء الأسرة المريضة، حتى جاءت جائزة السماء في صورة شاب في الثلاثين من عمره، يمت لنا بصلة قرابة بعيدة، قضى حياته مغتربا، وعاد بعد سنوات للزواج.
ولم يختر من بين عشرات الفتيات اللاتي رشحتهن له والدته سوى ابنتي »ناجية«، والتي لم تقبل به زوجا إلا بعد إلحاح شديد منه ومني بأنه سيأخذنا جميعا إلى منزله في أحد الأحياء الراقية، وأنه أمام هذا الوفاء النادر سيتعاون مع ناجية على رعايتي وإخوتها، وبالفعل تم الزواج قبل أكثر من عام، ولم يخيب زوج ابنتي ظنها أبدا، فكان نِعم الزوج، ونِعم الجائزة لابنتي الصابرة.
القاهرة: دار الإعلام العربية
