لاشك أن السينما عمل جماعي وفن يتطلب تكاتف جهود الجميع، وهذا ما يحدث بين مؤسسات وهيئات ومهرجانات، وقبل ذلك أفراد يملكون الموهبة والإصرار من أجل إيجاد سينما إماراتية، خصوصا أن المناخ مؤهل حاليا لقيام بوادر لصناعة سينما جادة تدعمها الإمكانيات المادية والتقنية والفنية.

لقد أصبح للإمارات صورة تكرسها أفلام آخذه بالتراكم في صالات العروض، وتشكل ملامح تاريخ بدءا من (عابر سبيل) ومرورا ب(حلم) و(عقاب) و(رمال عربية) ووصلا إلى (الدائرة) ثم (دار الحي)، وهي أعمال طويلة بعد تجارب فيلمية قصيرة على مدار سنوات، روادها شباب وجدوا أنفسهم في عصر تحكمه الصورة ويشترط عليهم فهم لغتها كجواز سفر إلي حداثته. تلك المواهب الشابة لم تنبت في صحراء قاحلة كما يتصور البعض، ولم تأت من فراغ بل هي امتداد لمحاولات سابقة ومستقبل لأعمال مقبلة يتم التجهيز لها بتأن، وكل ما يأمل به الجميع إقبال الجمهور الذي ستشكل خطوته تأثير السحر في صنع تواصل يدعم وجود أفلام إماراتية بشكل دائم على الشاشة الكبيرة.

ومن نتائج الولادة المتأخرة للأفلام الإماراتية أنها في بعض الأحيان أفرزت حالة من الدهشة والاحتفال فاقت أحيانا التجربة ذاتها، فبرزت مهرجانات دولية أفسحت لها المجال واسعا واحتفت ببعض تلك الإنتاجيات ومبدعيها بالجوائز والتقدير، ما يجعلنا نقف اليوم أمام ما يحدث بالرصد والتقييم. هاني الشيباني مخرج إماراتي شاب صاحب تجربة الفيلم الطويل (حلم) عام 3002، عاشق مسكون بعالم السينما أثمرت علاقته بهذا الفن الجميل عده أفلام منها (جوهرة)، (جمعة والبحر)، (أحزان صغيرة)، (عيديه ميثاء) و (فندق في المدينة)، وهي أعمال في مسيرة طويلة حافلة بالجوائز والتقديرات من مهرجانات داخل الدولة وخارجها.يعتبر أن الجيل الجديد من الشباب تقع عليه مهمة بناء سينما في الإمارات، وعلى الرغم من دراسته الإعلام في مصر وعمله مخرجا تلفزيونيا في إدارة الاتصال الجماهيري في شرطة دبي.

لكن سعادته اليوم تكتمل وهو يعلن عن قرب إنهاء دراسته في أستراليا لنيل شهادة ماجستير في فنون السينما والتلفزيون، وخوضه تجهيزات تنفيذ فيلمه الطويل الثاني مشروع تخرجه من (مدرسة الفيلم).

عندما يتحدث عن السينما في الإمارات تأخذه الذاكرة دائما إلى سنوات سابقة، حينما كانت المشاكل تحيط بصناعة الأفلام حيث لم يكن المناخ مهيأ لها والدعم المالي في غياب كامل عن الإنتاج، والتجارب محصورة في أعمال قصيرة ضعيفة تقوم على كاهل أصحابها وتعاني من نقص الخبرة والإمكانيات.

ولكن تختلف نظرته حاليا للأمور مع ظهور توجهات جديدة في دعم هيئات حكومية وتبني مهرجانات محلية لأفلام الشباب، وتوفر التقنيات الجديدة والإعلان عن مشاريع روائية طويلة وهو ما يبشر بأن السنوات المقبلة كما يؤكد ستشهد حركة سينمائية متميزة شكلا ومضمونا.

وفي لقاء تم داخل غراند سينما (بالفيستيفال مول)، ومع استقبال الجمهور له كممثل دراما معروف تلفزيونيا ومن خلال الملصقات وصور النجوم والنجمات والأعمال المعروضة في مكتبة بيع الفيديو والدي في دي، كان ل(الحواس الخمس) مع هاني الشيباني هذه الوقفات التي عكست أحلامه وطموحاته ورؤيته لأفلام غيره.

منافذ سينمائية

(من تجربة وجودي في أستراليا اتضح أن هناك أفلاما كثيرة يتم تجهيزها في استوديوهاتها وكنت أعتقد أنها هوليوودية لكونها ناطقة بالإنجليزية، وهذا فهم خاطئ لأن مستوى صناعة السينما عالٍ ومتقدم بها).

مقدمة سريعة لخص من خلالها هاني الشيباني تصحيح معلوماته، مؤكدا أن معرفته الأولى باستراليا كانت فقط من خلال نجومها نيكول كيدمان وراسل كرو وهيوجاكمان، أما السينما كصناعة انحصر تلقيه لها من خلال شركات التوزيع التي أعتقد أنها المنفذة لهذه الأعمال، لكن مع الدراسة والمعرفة عرف أنه أصبح للسينما منافذ أخرى مثل بريطانيا والنيجر وجنوب أفريقيا واستراليا.

ووضح أن أفلاما مثل (سيد الخواتم) و(أستراليا) هي في الأصل أسترالية، كذلك فيلم (أفاتار) الذي حقق نجاحا مدويا وإيرادات مذهلة تم تجهيز جزء كبير منه في أستراليا بل إن شخصيات كوكب باندورا مأخوذة في شكلها وأزيائها وماكياجها من عادات وتقاليد وملامح سكان شعب استراليا الأصليين.

ترفيه وثقافة

(09% من جمهور السينما يذهب إليها للترفيه وحب النجوم والنجمات ويأتي في المرتبة التالية الاهتمام بالجانب الثقافي ومضمون القصة ورسالة الفيلم، وهو إحصاء يعكس توجه عالمي للمشاهدين).

وجهة نظر ترجم من خلالها هاني الشيباني علاقة الناس بالسينما في الإمارات والوطن العربي والتي لا يراها تختلف كثيرا عن أستراليا وتؤكد حرص الجميع على متابعتهم ومشاهدتهم للأفلام الجديدة، بل يتفوق الأمر في الإمارات من خلال كم الأعمال المعروضة وتنوعها، فمثلا يمكن مشاهدة أفلام (هندية، عربية، إيرانية، هوليوودية)، أما في أستراليا فالمصدر الوحيد هو أفلام هوليوود ولا تأتي بكثافة.

ويتذكر في عام 0102 مشاهدته لفيلم هندي واحد هو (أسمي خان) لأن شركة كولومبيا العالمية هي التي قامت بتوزيعه فالتنوع كما يقول غير متوفر في أستراليا، لكنه ينوه إلى وجود محطات تلفزيونية متخصصة تقدم يوميا فيلمين أو ثلاثة من الأعمال كبيرة المستوى، هذا بخلاف تقديم برامج نقدية تستضيف أثنين من النقاد احدهم مع الفيلم والآخر ضده ويبدأ كل منهما في عرض وجهة نظره للجمهور قبل مشاهدة الفيلم ما يساعد في تثقيفهم سينمائيا وفنيا.

التجارب الأولى

(بمرور الوقت والخبرة اكتشفت أن حركة السينما في الإمارات عشوائية وليس هناك »سيستم ـ نظام« للصناعة، صحيح توجد شركات كبيرة لكن عليها اكتساب الخبرات لتنظيم عملية الإنتاج والدفع بحركة الصناعة للدوران).

يسترجع هاني الشيباني مراحل التجارب الأولى لوجود سينما إماراتية قائلا: كانت هناك أدوات ومهارات ملموسة يتعلمها المرء، ولم يكن هناك تاريخ سابق نتكئ عليه، لذا بدأنا الطريق بأنفسنا، جربنا وتعلمنا واستفدنا من تجاربنا، وتعرفنا على بعضنا ووحدنا قدراتنا باعتبار السينما عمل جماعي.

وانعكس هذا على جيل من الشباب قدموا أعمالا في السابق رغبة في المشاركة بالمهرجانات، لكن الوضع اختلف الآن وأصبح عليهم التفكير بشكل آخر من أجل إضافة تحسب لهم كسينمائيين.

وبالتالي أفسر غياب أسماء كثيرة عن الظهور العامين الماضيين لانشغالهم في تحضيرات الإنتاج والتجهيز لأفلام طويلة ومختلفة شكلا ومضمونا عما قدموه من قبل، وهذا لا يعني أن الأمور ثابتة لا تتحرك بل أرى أن هناك تطورا ملحوظا عما كنا عليه وظهرت أسماء أخرى جديدة وتوسعت الدائرة .

مشروع التخرج

(أعمل بشكل دائم ومستمر، لأن ذلك يعني بالنسبة لي أنني سأفوز يوما بالعمل الذي خسرت من أجله كل الأعمال الأخرى، فلسفة أؤمن بها وأطبقها مع كل فيلم جديد أستعد لتقديمه).

هذا هو شعار هاني الشيباني الذي يطالب بضرورة الدخول في معترك الإنتاج السينمائي على الرغم من كل الظروف والاحباطات المتوقعة مستقبلا، لأنه يرى من يعملون في إيجاد هذه الصناعة بالإمارات لا يجب أن يظلوا منهمكين في النقاشات الشفوية والاحتجاج السلبي وتعليق شماعة الظروف على المناخ العام وصعوبات الإنتاج، بل يجب عليهم عدم التفريط في الأفكار والقصص الجميلة في مسودات السيناريو، وان لا يبقى مكانها الوحيد هو الأدراج المغلقة.

من هذا المنطلق فإن هاني يتحرك وفق مفهوم خاص ومتفائل، ومن هنا أيضا فإن فيلمه الثاني الطويل سيجعله يعود إلى الوطن في شهر نوفمبر المقبل، بعد أن يكون كل شيء جاهز لتصوير (المنسون) وهي الرياح الاستوائية التي تأتي على المنطقة من الهند، قصة وسيناريو يوسف إبراهيم وتمويل شركة ايماجينيشن ليكون مشروع تخرجه السينمائي من الأكاديمية الأسترالية.

أفلام المدينة

(أعشق أفلام المدينة التي تحتفي بالأماكن والشخصيات وتصنع أحداثا مبهرة معبره عن المشاعر الإنسانية، وقد عشت تلك الأحاسيس في فيلم (في شقة مصر الجديدة) وحاولت مجاراة هذا النمط في فيلمي »فندق في المدينة«.

مدخل أراد من خلاله هاني الشيباني أن يأخذنا إلى الفيلم الأميركي نوتنج هيل الذي عرض عام 9991 ويجمع بين عنصري الكوميديا والدراما، وهو من تأليف ريتشارد كيرتس وإخراج روجر ميتشيل.

ويسترسل هاني في تفاصيل قصة الفيلم قائلا: تدور الأحداث في لندن حول وليام الذي يعمل بائعا للكتب بأحد متاجر بيع الكتب في منطقة نوتنج هيل، وذات يوم وأثناء وجوده في المتجر، تدخل الممثلة الجميلة والمشهورة آن سكوت القادمة من الولايات المتحدة للمشاركة بأحد الأفلام في لندن، وتقوم بشراء كتاب وتتعامل مع وليام بأسلوب مهذب وفاتن يليق بممثلة مشهورة تتعامل مع أحد المعجبين بفنها.

ومن المنطقي أن تنتهي العلاقة بينهما عند هذا الحد، لكن تتطور الأمور من خلال مصادفات ومواقف كوميدية حيث تبدأ علاقة عاطفية تدفع الجميع للاستغراب، كيف يمكن لوليام أن يقع في حب نجمة سينمائية.

فيلم (نوتنج هيل) رائع ومفعم بالمشاعر وأحاسيس الاغتراب والحب داخل المدينة الواسعة، وهو موجود بمكتبة الفيديو ويمكن الحصول عليه.

نال الفيلم على جائزة (أسكب أوارد) لأعلى الأفلام من حيث الإيرادات عام 0002، كما تم ترشيح الفيلم لجوائز الغولدن غلوب لأفضل فيلم كوميدي وأفضل ممثل (هيو جرانت) وأفضل ممثلة (جوليا روبرتس) عام 0002.

نموذجان ناجحان

(تتجلى مدى التطورات التي حققتها صناعة السينما في دبي والدولة عموما من خلال فيلمي الدائرة ودار الحي وهما يعكسان خصوصا الأخير النموذج الذي يحتذى به للانطلاق في حياة مهنية ناجحة)

.

اعتراف جميل أن يرى أحد أبناء مهنة السينما بالإمارات في أفلام غيره تجارب مثيرة للرصد والثناء، حيث يؤكد هاني الشيباني أن فيلم (الدائرة) للمخرج نواف الجناحي شكل نقله في مسيرة الأفلام الطويلة وأنه أحد العناصر التي دفعت إلى حالة حراك سينمائي، جاء بعدها فيلم دار الحي الذي نجح في تخطي حواجز كثيرة مثل التمويل وعرضه في صالات السينما ليس في الإمارات فقط بل منطقة الخليج.

وعكس في أحداثه تشابك الثقافات داخل مجتمع دبي المتنوع من خلال قصص منفصلة لمواطن إماراتي وسائق تاكسي هندي يشبه أحد نجوم بوليوود وامرأة أوروبية تتقاطع حياتهم في ترابطات عشوائية، تكشف تعقيدات الحياة في دبي المتعددة الثقافات أو الأعراق، ما يدفع بمزيد من الأفلام المحلية المتميزة التي تعزز مكانة السينما الإماراتية في الأسواق العالمية.

دبي - أسامة عسل