أيقظني صوت نشيج وبكاء أمي المر، الذي كان قريبا من باب البيت، فركضت لأعرف ما يحدث، ووجدتها تعانق شابا صغيرا وتردد »يا ولدي، يا ولدي«، لم استوعب الأمر ولم انتبه لأخوتي الآخرين الذين كانوا يحدقون في المشهد غير مصدقين ما يحصل، بينما كان ابي يتأمل بحزن بالغ وصمت، ولم ندر ما نفعل أمام مثل هكذا مشهد، وكأننا أمام فيلم سينمائي.
كان الصباح في أول ساعاته ونحن في عطلة نهاية الأسبوع، وقد كانت الأسرة بكامل حضورها، لذا لم يغب أحد عن مشهد بكاء أمي ودموعها، وقد انتبه والدي إلى صدمتنا فحاول تنبيه أمي إلى ضرورة تعريف أفراد الأسرة بأخيهم خالد، انتبهت إلينا، وحاولت أن تتماسك بينما كان الشاب ينظر إلينا بحنو وقد احمر انفه من البكاء، ونحن لا نعرف ما يحدث.
أجلسنا أبي جميعا، وحاول أن يمسك زمام الأمور قائلا كانت والدتكما قد تزوجت سابقا وانجبت أخاكما خالد، ولم يكتب لها الاستمرار في زواجها، وبعدها قسم الله أن تكون من نصيبي وأن يرزقنا بكم.
وهي لم تر خالد منذ أن كان في الثانية من عمره، لذا تجدونها منفعلة وتبكي، كان الصمت يخيم علينا فلم نعرف ما نقول أمام هكذا خبر لم نسمع عنه يوما ولم تذكره أمي، ولم نكن ندرك ما هو التصرف السليم في تلك الحالة، ولم يكن أمام والدي إلا أن يسحب خالد من يده ليسلم على اخوته، بينما كنا قد بدأنا نبكي لبكاء امنا وأخينا الجديد القديم.
حاولنا أن نهدئ والدتي احتضناها جميعا، وكنا نتمنى أن نستطيع التخفيف عنها، اكتشفنا كم تحملت من ألم على مدى السنوات الماضية من دون أن تخبرنا أو تبين لنا شيئا، واحترمنا موقف أبي الذي كان لطيفا جدا من الزائر الغريب.
وقد حاول أن يترك لأمنا فسحة من الوقت مع خالد فطلب منا أن نغير ثيابنا لنذهب إلى السوق معه، خرجنا مع أبي وقد بدأ يحدثنا بهدوء أن علينا أن نؤازر والدتنا ونستقبل أخانا بمحبة فقد حرم من عاطفة أمه بينما كنا نحن نعيش بين أحضانها، كنا نحاول فهم الأمور فبدأت الأسئلة تنهال على والدي عن خالد أين كان يعيش ومن رباه، وهل كانت أمي تراه سابقا، ولماذا لم تخبرنا أمي بالأمر؟
لم تكن جميع الاسئلة التي طرحناها لتجد إجاباتها، قال ابي انقطعت اخبار الولد عن أمكم منذ سنوات ولم تكن تعرف كيف تصل إليه، وقد فاجأنا أنه يطرق الباب ويخبر أمكم أنه خالد ولدها، هذا كل ما نعرفه حد الآن، لذا دعونا نتركه معها لتواصلوا بشكل مناسب ولا نقيد حريتهما، بالفعل خرجنا لثلاث ساعات وعدنا لنجد أمي قد أعدت مائدة طعام رائعة .
بينما كان خالد ينظر اليها بلهفة وارتباك وشوق، كنت حينها في العاشرة من عمري، مدللة أبي وصديقة أمي، شعرت أن علي أن أبادر بقبول أخي واشعاره انه محبوب بيننا، ذهبت وعانقته وقلت له أنا سعيدة بك، قال وانا كذلك وبكى، صرت أبكي معه، لم أر في حياتي يوما كهذا كلنا نبكي من الفرح والحزن والحرمان وكل شيء، ناداه ابي قائلا: يا ولدي انت ابننا وكبير اخوتك، قم واغسل وجهك ولنأكل معا ونعوض أيام الفراق بالفرح لا بالبكاء.
عرفنا أنه يعيش في أوروبا منذ حوالي عشر سنوات حيث سافر مع والده وزوجته إلى هناك، لم يشأ خالد الحديث كثيرا عن زوجة أبيه، وشعرت أنه لم يكن مرتاحا معها، كانت تلك إجازته الأولى التي يأتي بها إلينا، استقبله جده في المطار حيث كان أول مطالبه أن يرى أمه.
أمي كانت تحاول الوصول إليه ورؤيته وقد تفهم والدي موقفها وحاول مساعدتها لكن سفره بعيدا حرمها منه، وحين عاد خالد أخبره جده أنه أرسل عشرات الرسائل من أمه وأدرك أن هناك من منع تلك الرسائل من الوصول إليه، لم يشأ أن يشير إلى زوجة ابيه لكننا أدركنا أنها وراء هذه القطيعة الطويلة.
كانت إجازة خالد شهرا قضاها بيننا وبين بيت جده، وقد وجدت أمي تعد أصنافا متنوعة من الاطعمة وكأنها تريد أن تعوضه عن كل الأيام التي لم تعد له الطعام، وقد كانت سعيدة جدا، وللمرة الاولى أشعر بابتسامتها من قلبها، وكان خالد بمثابة درس لنا في تقدير عظمة وجود أمنا في حياتنا، فقد كان يقبل يديها ورأسها كل صباح، ويعبر عن حبه لها بكل الطرق.
وقد اتفق معنا أن نقيم لها احتفالا، حيث اتفقنا مع والدي بأن يخرج معها لساعات عدة، وحين عادت وجدت أننا أعددنا مائدة جميلة وهدايا نقول فيها اننا نحبك، وكان خالد المخطط لكل شيء ونحن نتبعه مبهورين بأخينا الكبير الودود دائما.
أيام الإجازة قاربت على الانتهاء، وقد بدأت أشعر بقلق والدتي، وهي تنظر إلى الرزنامة بحزن، سألتها ما بها فقالت سيسافر خالد قريبا، ويصعب علي فراقه، لكني أريد له الخير، أريد أن يكمل دراسته الجامعية، وأريد أن يختار حياة صحيحة وناجحة.
كان خالد قلقا على أمي من السفر مرة أخرى، لكنه مضطر للأمر، لذا قال لأمي انه وجدها ولن يتركها ابدا سيتواصل معها، وسيعرف كيف يكون قريبا منها، وكانت هي تبارك له كل خطوة من خطواته بينما أراقب دموعها تكاد تثور على صبرها بوجهه، سافر خالد وبقينا نتواصل معه، وكانت زيارته السنوية بمثابة عيد لنا جميعا فهو يحمل الفرح إلى قلب أمي.
دبي ـ دلال جويد
