تستقطب مدينة السيدة زينب التي تبعد حوالي خمسة عشر كيلومترا جنوب شرقي العاصمة السورية دمشق مئات الآلاف من الزوار سنويا لزيارة ضريح حفيدة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم زينب بنت علي رضي الله عنه . وتشهد البلدة نمواً سكانيا كبيراً جراء استقرار كثيرين من الزوار وقدوم بعض أبناء المدن السورية الأخرى بحثا عن فرص عمل ضمن أعمال تجارية مزدهرة خدمة لأولئك الزوار.

ويقول الشيخ طه الأحمد المقيم في المنطقة منذ أكثر من عقدين إن الأساس في الزيارة محبة السيدة زينب. ويوضح الشيخ طه أن تلك القداسة لمقام السيدة زينب تجذب إليها الزوار من إيران والعراق ودول الخليج العربي وباكستان ودول أخرى. مليون زائر وليست هناك أرقام دقيقة عن عدد السياح والزائرين لمقام السيدة زينب ، إلا أن محمود الشيخ المدير الإداري في مقام السيدة زينب يشير إلى أن 50 في المئة من عدد السياح في سوريا يقصدون السيدة زينب فيما يقدر الشيخ طه عددهم ما بين 700 ألف إلى 800 ألف سنويا و تشير مصادر قريبة من البلدية إلى أن العدد يصل إلى مليون زائر سنويا.

ويقول الشيخ إن مجموعات الزيارة تأتي بشكل رئيسي من إيران وتتركز خلال شهري تموز/ يوليو وآب/أغسطس ويلفت إلى غياب كبير للزوار خلال الشتاء عازيا ذلك إلى انتظام المدارس والجامعات في شتى دول العالم في هذه الفترة، لكنه يضيف أن الزيارات لا تنقطع نهائياً خلال الشتاء مشيرا إلى قدوم أعداد من الشيعة اللبنانيين خصوصا خلال الموسم الشتوي.ويؤكد العاملون في المكاتب العقارية ومكاتب السفريات في منطقة السيدة زينب بدورهم تلك المؤشرات العامة . ويقدر سليمان) 23 عاما( العامل في مكتب تجاري في البلدة عدد الزوار يوميا في تلك الأشهر بحوالي أربعة آلاف شخص فيما تنخفض المعدلات خلال بقية أشهر العام ما عدا المناسبات الكبيرة كعاشوراء حيث يحيي الزوار هذه المناسبة كل عام في شهر محرم وهو بداية العام الهجري .ويقول عدد من أهالي السيدة زينب أن تزايد السياح و تلك الأعداد فرضت على القائمين على المقام إجراء توسعات متتالية للمقام .وأشار الشيخ إلى وجود مجموعة كبيرة من المشاريع للتوسعة.

وأضاف هناك مشروع ضخم للتوسعة من الشمال والشرق والجنوب فيما يتعذر التوسع غربا بسبب الطريق الدولي بين دمشق ومحافظة السويداء ( تبعد عن دمشق حوالي 011 ) المار قرب المقام . ويضيف المسؤول الإداري أن الأعمال بدأت من جهة الشمال حيث استملكت الأراضي وبني مرآب والصحن الشمالي للمقام قيد التشطيب حاليا .ويؤكد انه يوجد أيضا مشروع لتوصيل المياه إلى المقام وبناء خزانات أرضية عملاقة وربطها بمجموعات وشبكات ضخ كما سيتم تشييد مشروع ضخم بالتعاون مع مجموعة العقيلة الكويتية لبناء أبراج سكنية لخدمة الزوار تتضمن أسواقا تجارية ومرآب وأبنية متكاملة.

ولا تبدو المنطقة مزدهرة عمرانيا إذ أن أبنيتها يكسوها التلوث واللون البني المتشح بالسواد أحيانا فضلا عن أنها في معظمها متلاصقة ولا تدخلها الشمس بشكل جيد مما يعطي الانطباع بأنها أبنية غير صحية.

ويقول احد »مخاتير« المنطقة أن عدد العراقيين الشيعة وصل إلى أكثر من 002 ألف في بعض الأحيان ويؤكد حسام وهو صحفي سكن المنطقة أن كل شيء متوفر في منطقة السيدة زينب من مأكل ومشرب وملبس إلا أن الخدمات من قبل البلديات تكاد تكون غائبة.

ويشير إلى معاناة زوار وقاطني هذه المنطقة كغيرها من المناطق السورية التي لم توفر لها الحكومة السورية التحسينات المطلوبة رغم تزايد عدد سكان المنطقة إلى أكثر من الضعفين خلال العشرين سنة الأخيرة، إذ كل شيء لا يزال على حاله تقريبا وعلى سبيل المثال فإن عدد أفراد شرطة المخفر الذي يتابع شؤون المنطقة هو نفسه تقريبا وعدد كوادر الدوائر الرسمية ازداد قليلا دون أن تلبي هذه الزيادة حاجة المنطقة .

ازدهار اقتصادي

في المقابل أنعشت الأعداد الكبيرة من الزائرين النشاط الاقتصادي في المنطقة كما يؤكد قاطنوها. وقال مدير فندق الحسين محمود مصطفى إن السياحة الدينية وراء كل نشاط في هذه المنطقة، وأضاف أن هناك اقتصادا متكاملا أوجده مئات الآلاف من الزوار سنويا موضحا أن هؤلاء الزوار يحتاجون إلى خدمات كاملة من النقل والطعام والشراب والاتصالات والتسوق وكل تفاصيل الحياة اليومية خلال فترة أسبوع لأقل مجموعة.

وأضاف أن هذه المعطيات خلقت سياحة متطورة ونامية رغم ضعف البني التحتية للخدمات السياحية، وأوضح أن فنادق كبيرة افتتحت بحيث بات هناك نحو خمسة فنادق من درجات أربع وثلاث نجوم يقوم على خدمة كل منها ما بين 04 إلى 05 شخصا.

بدوره قال أحمد العامل في فندق سفير السيدة زينب أن القادمين خلقوا طفرة كبيرة في إيجارات الشقق حيث يصل مبلغ إيجار الشقة المفروشة ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف ليرة يوميا في موسم الزيارة) الدولار يعادل 74 ليرة سورية( و يتجاوز الخمس عشرة آلاف ليرة شهريا في باقي أشهر العام.

وأضاف إن سكان المنطقة الأصلية حققوا ثروات حقيقية في هذا المجال فيما ينخرط آلاف الشباب في خدمة أولئك القادمين فانتشرت المطاعم والمحال التجارية وسيارات الأجرة وكل ما يتعلق بتفاصيل حياة الزوار.

وحيثما اتجه المرء في هذه المنطقة يسمع لهجات ولغات متنوعة ولكن أكثرها الإيرانية والعراقية وليس اقلها الشامية بالمعنى الواسع والسورية بشكل خاص.

ضعف البنى التحتية

ولا يحتاج المرء إلى عناء كبير لملاحظة الازدحام البشري الكثيف المحيط بالمقام . فالأسواق نمت وازدهرت بسرعة إلى جوار المقام حتى وصلت إلى تخوم مخيم اللاجئين الفلسطينيين إلى الغرب من البلدة فيما تتواصل حركة البناء شرقا وامتدت أكثر من كيلو متر من الأبنية المتواصلة إلى الشرق من المقام على أراض كانت حتى فترة قريبة زراعية .

وتصطف الأبنية الباهتة اللون جنبا إلى جنب في الطرف الغربي للشارع الرئيسي الذي يشق البلدة من دمشق شمالا إلى القرى والبلدات المجاورة جنوبا . وعلى الرغم من المنظر البائس لتلك الأبنية وغياب أي مظهر جمالي فإنها تشكل مصدر حياة اقتصادية على امتداد نحو 5ر1 كيلو متر تقريبا من مدخل البلدة وحتى مقر البلدية جنوبا.

ويغلب النشاط التجاري على الجانب الغربي للطريق وبمواجهة المقام حيث تعج الأسواق بالمحال التجارية التي تفتح أبوابها حتى ساعات متأخرة من الليل. وفي الجانب الشرقي تحيط الأبنية السكنية بالمقام وهناك أسواق وبسطات متواضعة تبيع بضائعها كهدايا يحملها الزوار معهم إلى بلدانهم . وبدأ مستثمرون وشركات عقارية نشاطات كبيرة بالقرب من هذا الجانب من المتوقع أن تغير مظهر البلدة خلال سنوات قليلة قادمة.

ويقف في بعض الأحيان شبان يستقطبون السياح لتقديم خدمات متنوعة بعضها تلاحقهم عليها عناصر الشرطة والأمن المتخفين . ويلاحظ زائر البلدة بسهولة تواضع الخدمات.

وقال المدير الإداري للمقام إن هناك نحو 09 في المئة من الأبنية غير مرخصة خاصة من الجهة الشرقية. وأضاف أن عددا كبيرا من الأبنية أقيم ضمن أراضي مستملكة للمقام لكن لا تتوفر إمكانية إخراج القاطنين حاليا . وأردف إن البلدة تفتقر إلى البني التحتية من طرقات ومواصلات وتعاني من ضعف في خدمات الطاقة والمياه وكشف عن وجود مشروع إستراتيجي بالتعاون مع شركات ألمانية لإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي في المنطقة.

دمشق - (د ب أ) , الحواس الخمس