لم تعد جرائم الاغتصاب والاعتداء على الأعراض تثير كثيرا من الاستنكار والنفور كما في السابق، بل باتت أمرا مألوفا يندر أن تخلو صحيفة يومية من ثلاث أو أربع حوادث يومية يزهق جراءها أسمى ما تمتلكه الأنثى.

لكن وعلى الرغم من اعتياد كثيرين لهذه النوعية من الجرائم، إلا أن التجربة التي نتعرض لها ذات طابع خاص، الجاني فيها لم يكن مجرما أفقدته المخدرات عقله ليسطو على عِرض فتاة في أحد الشوارع المظلمة، إنما لص أعراض محترف، استغل غفلة أسرة وثقت فيه ليسلب بناتها الثلاث أعز ما يملكن، بل تسبب في إصابة أكبرهن بالشلل، فضلاً عن أم فقدت عقلها، وأب مكلوم.

انطلق صراخ عالٍ شدَّ انتباه المارة بأحد شوارع العاصمة المصرية، وبعد ثوانٍ قليلة سمع الجيران صوت ارتطام مدوٍ تبعه أنين متقطع، أسرع المارة إلى مصدر الصوت لاستطلاع الأمر، كانت المفاجأة التي شهق لها بعض المارة أن رأوا فتاة مضرجة في دمائها تقاوم غيبوبة كثيفة بلا جدوى، تعرَّف البعض إليها، إنها »سالي« زوجة شقيق إحدى قاطنات العقار المقابل.

وبنظرة واحدة إلى نوافذ العقار أدركوا أنها سقطت من الطابق الرابع، ولأنه لم يكن من مبرر مقنع لسقوطها، فلا هي كانت تنشر ثيابا ومن ثم اختل توازنها، ولا الجو عاصف حتى تسقط، إذا هي لم تسقط، إنما أُسقطت®.

هذا ما دار في أذهان من تجمهروا حول جسد »سالي« في انتظار عربة الإسعاف التي لم يمر وقت طويل حتى تعالى بوقها المميز لتنقلها إلى العناية المركزة في حالة غيبوبة.

الديب

في المستشفى بدأت الحقائق في التكشُّف شيئا فشيئا، ففيما كانت نظرات »سالي« مصوّبة إلى سقف الحجرة في محاولة لاستجلاء المستقبل الغامض، جلست عمتها إلى جوارها تدعو الله أن يشفيها، وفيما هي كذلك فوجئت به يدخل عليهما الغرفة، على الفور تعالت صرخاتها مخافة أن يكون قد جاء للتخلص من »سالي«؛ حتى لا تتهمه بإلقائها من شرفة شقة شقيقته.

وعلى الفور ألقى أفراد الأمن بالمستشفى القبض عليه لحين حضور الشرطة، وما هي إلا دقائق حتى حضر رجالها بالفعل، إلا أن مفاجأة قاسية كانت من نصيبهم ومن نصيب العمة، فقد أنكرت »سالي« أنه قام بإلقائها من شرفة الطابق الرابع، مؤكدة أن توازنها اختل وسقطت في الشارع.

نظرت العمة غير مصدقة ما تقوله ابنة شقيقها، لم تصدق أن الحب أعماها للحد الذي تتسامح فيه مع مَن حاول قتلها، ومن أفقدها وشقيقتاها عذريتهن، ومن بين دموعها تجاهلت »سالي« نظرات الاستنكار والدهشة واللوم في عيني عمتها، واستجمعت قوتها وأوضحت في وهن أنها تزوجت »الديب« عرفيا منذ أكثر من عامين، وأنها كانت برفقته يوم الحادث في زيارة لشقيقته، وحدث ما حدث.

دموع ودماء

يقع منزل الأسرة الذي شهد اغتيال براءة »سالي، فاطمة، آية« في إحدى حواري حي »عين شمس«، يعمل الأب في أحد المحال، أما الأم فكانت تعمل بوظيفة إدارية في إحدى المدارس حتى أصيبت بمرض عقلي أقعدها عن العمل فلم تعد تدري ما يدور حولها، ارتبطت »سالي« بقصة حب عنيفة مع جارها الشهير باسم »الديب«.

وأثناء اللقاءات التي كانت تتم في غفلة من الأب المشغول ليل نهار في عمله، نهش عذريتها، وبعد أيام تقدم لخطبتها في العلن حتى يقترب منها أكثر، ومع إلحاحها المستمر خوفا من الفضيحة تزوجا عرفيا بعقد عند أحد المحامين، فأصبح الباب مفتوحا أمامه للدخول في أي وقت.

في أحد الأيام، سمعت »فاطمة«، الشقيقة الصغرى لسالي، دقات على الباب، وعندما فتحته وجدت زوج شقيقتها، أخبرته أن أباها في عمله، وكذلك شقيقتها الكبرى، إلا أنه ابتسم ابتسامة مقززة، مؤكدا بما لم يدع لها فرصة للاعتراض بأنه سيجلس حتى عودتهم®.

حاول ملاطفتها والعبث بثيابها، وعندما صرخت في وجهه أخرج من طيات ملابسه سكينا وهددها بالذبح إن لم ترضخ لرغباته، ولم تجد الفتاة التي تتجاوز من العمر 41 عاما أي منقذ من براثنه، ففقدت أعز ما تملك.

واختلطت دموع القهر بدماء العفة في صمت كئيب، ولم تستطع الصغيرة أن تذكر ما حدث معها، ووجد الذئب في ذلك ضالته، فعاود فعلته مرات عديدة حتى انتفخ بطن الفتاة وخشيت أن تبلغ شقيقتها الكبرى أو والدها، حتى سقطت في أحد الأيام مغشيا عليها لتكتشف الأسرة أنها حامل في الشهر الخامس، تعرَّضت للضرب من الأب واعترفت أخيرا بأن خطيب شقيقتها الكبرى هو الذي اغتصبها، لم يصدق أحد روايتها لاسيما شقيقتها التي أعماها الحب عن تصديق أي نقيصة في زوجها، ولم يجد الأب المكلوم إلا الصبر على ابنته حتى أنجبت مولودتها ثم سلمها إلى دار أيتام بحجة أنه عثر عليها.

لكن الكارثة لم تنته عند هذا الحد، فالذئب الذي تلذذ بدماء »سالي« و»فاطمة«، لم يكن ليترك ثالثتهن »آية«، التي اشتكت ذات يوم لوالدها مغصا مفاجئا، وحينما عرضها على أحد الأطباء كانت الفاجعة على لسان الطبيب:

»مبروك®. ابنتك حامل!« مادت الأرض تحت قدمي الأب الذي اصطحب ابنته في صمت إلى البيت، وهناك اعترفت له بالسيناريو نفسه الذي حدث مع شقيقتها التوأم »فاطمة«، لقد استغل لص الأعراض فرصة وجودها في أحد الأيام في البيت بمفردها، وأكرهها على الخروج من قائمة الأبكار إلى غير رجعة.

في هذه المرة لم تتمكن »سالي« من الدفاع عنه، فتجربته مع »فاطمة« ومعها من قبل تؤكد أنه الفاعل الذي استغل غيبة الأب ومرض الأم في النيل من بنات الأسرة واحدة تلو الأخرى، ذهبت إليه في بيت شقيقته لمواجهته باعترافات شقيقتها، فأنكر ذلك، واحتدَّ عليها.

وحينما هددته بكشف الحقيقة أخبرها أنه على استعداد لتحليل الحامض النووي له ولطفلة شقيقتها »فاطمة« للتأكيد على براءته، وحينما هدأت سالي، اصطحبها إلى شرفة الشقة وهو يمطرها بكلمات الحب، وفي لحظة تناست فيها كل ما حدث وأغمضت عينيها وهي تستمع للكلمات المعسولة، فوجئت بقوة تقذفها من شرفة الطابق الرابع، لتُنقل إلى المستشفى في حالة سيئة.

اعتداءات متكررة

على الرغم من عدم اقتناع رجال الشرطة بما ألقته عليهم »سالي«، إلا أنهم لم يجدوا بدّا من صرفه من قسم الشرطة بعد ساعات من القبض عليه، إلا أنهم عاودوا القبض عليه ثانية بعد أن تلقوا بلاغا من الأب يتهمه رسميا بمحاولة قتل ابنته الكبرى، واغتصاب بناته الثلاث تحت الإكراه بعد أن اعترفت له ابنتاه بأنهما تعرضتا على مدى عامين للاغتصاب من قبل الزوج العرفي لشقيقتهن الكبرى.

وحرر الأب محضرا اتهم فيه »الديب« باغتصاب ابنتيه التوأم والإنجاب منهما، فضلاً عن اعتدائه من قبل على ابنته الكبرى، إلا أن الأب فوجئ بحفظ المحضر على الرغم من أن تحليل DNA لمولودتي السفاح أثبت أنهما يحملان أكثر من 05% من الصفات الوراثية للمجرم.

ولأن عدالة الأرض بطيئة، ويمكن التلاعب فيها، تم إخلاء سبيل المجرم، وصرفه من سراي النيابة، لكن كان لعدالة السماء حكم آخر، فبعد لحظات قليلة من استقلاله إحدى سيارات الأجرة عائدا إلى بيته، داهمت شاحنة كبيرة سيارة الأجرة التي يستقلها »الديب« وجعلتها كومة من النفايات البشرية لا يمكن تمييز معالمها.

القاهرة: دار الإعلام العربية