كانت بداية قصة الحب بين علي الجابري الممثل ومدير مسابقة أفلام الإمارات والشاشة الساحرة أيام طفولته، فكانت سينما »ألدوراد« المكشوفة مقابل مستشفى الكورنيش في أبوظبي هي مكان اللقاء الأول بين الحبيبين.

وكانت أول وجبة هي بالنكهة الإيطالية بمجموعة أفلام كانت تشتهر بها تلك السينما أيام مجدها الغابر، فكان فيلم »البواب الليلي« للمخرجة لليانا كافاني الذي يحكي قصة حب عاصفة بالأحداث في العاصمة النمساوية فيينا بعد الحرب العالمية الثانية، فشاهد الجابري عشرات من الأفلام الإيطالية التي أدخلته إلى عالم السحر السينمائي من منظور يقترب من السينما الواقعية، ليرقى فيما بعد إلى الأفلام ذات البعد الفني البحت التي تبحث عن جماليات الصورة والأداء والسيناريو لا باعتبارات الدهشة والمتعة الزائلة، بل لاعتبارات ترسيخ فلسفة ورؤية لدى من يشاهدها.

تشكل السينما الهندية ذاكرة قوية لدى أبناء الإمارات والخليج بصفة عامة للقرب الديموغرافي بين الجهتين، ويقول عنها علي الجابري: »لقد كانت أسعار التذاكر آنذاك حوالي 8 دراهم، وكانت بوسترات السينما الهندية بقصصها الرومانسية والتراجيدية تجذب أعين الشباب لمشاهدة تلك الأفلام التي استحوذت على شرائح جماهيرية واسعة في العالم العربي، وكان نجوم مثل راجي وشامي كابور وأميتاب باجان وهيما ماليني ودارا مندر وعشرات غيرهم يشكلون في مخيلتنا أبطالاً من الطراز الأول، ولقد شاهدتُ فيلم الشعلة الشهير الذي اشترك فيه نجوم الهند عدة مرات في السينما وأدهشتني أجواء وأغاني الفيلم«.تنتقل حياة الجابري إلى مرحلة المراهقة فيظهر نجوم هوليوود الذين يؤدون أدوار البطل الخارق في أفلام الآكشن، مثل سيلفستر ستالون وآرنولد ونجوم موجة الثمانينات فلا يفارق الجابري فيلماً من أفلامهم، وبعدها بفترة تتطور ثقافته السينمائية فيبحث عن أفلام آل باتشينو ونيكولاس كيج وروبرت دينيرو وغيرهم من نجوم السينما الغربية، يقول:

»لقد شاهدتُ معظم أفلام هؤلاء النجوم، وأعتقد أنه أصابني هوس كبير بأدوار النجم نيكولاس كيج، وما زلتُ أذكر مشاهداتي المتكررة لفيلمه الجميل مغادرة لاس فيغاس، وهو يمتاز بتعدد الأدوار المركبة والصعبة، وما أدهشني أكثر في السينما الغربية هي قوة الحوار والسيناريو بغض النظر عن قوة الصور والأداء والتقنيات البصرية والتكنولوجيا المتطورة، ولطالما استوقفتني جمل ومفردات الحوار في معظم الأفلام لترقى إلى مصافِ النصوص الأدبية الراقية.

وهذا ما نفتقده في السينما العربية التي أرى أن زمانها قد أفل ولم أتابع فيلماً عربياً منذ سنوات لأنها تضحك على ذقون المشاهدين إلا فيما ندر، وما يعنيني في الفيلم لغته البصرية والفلسفية وإلى أين تأخذني الأسئلة التي يطرحها الفيلم، وأعتقد أن السينما الهندية ورغم أنها دخلت في المستوى التجاري في السنوات القليلة الماضية إلا أن لديها مجموعة أفلام تجتمع فيها المزايا التي ذكرت«.

رغم ظهور تقنيات حديثة في التصوير بالأبعاد الثلاثية وكاميرات عالية الجودة، فإن الجابري غير متفائل بدخول السينما العربية قريباً إلى هذه العوالم التقنية، ويقول في ذلك:

»لقد تم استخدام كاميرات ريد في عدة أعمال في الفن العربي، وتم استخدام بعض تقنيات التصوير عالية الجودة، إلا أن العبرة في السينما تكمن في لغتها البصرية وفلسفتها ورؤيتها ومخاطبتها لأدق تفاصيل الروح الإنسانية وليس الأمر مقتصراً على التقنيات فقط، فأفلام مثل:

ذهب مع الريح والعرّاب وعشرات من الأفلام غيرها لم تكن تواكب هذه التقنيات ومع ذلك ظلت خالدة، أما السينما العربية فهي تقلّد بالتقنيات والسيناريوهات ما ينتجه الغرب، وليته يكون تقليداً واعياً أو مغايراً بل إنه تقليد دون أعين وهذا أحد أسباب هبوط وانحدار المستوى السينمائي العربي«.

ظهرت بعض الأسماء العربية في عالم هوليوود والسينما العالمية، ورغم بعض المحاولات الخجولة في العصر الحالي، إلا أن تجربة عمر الشريف تعتبر الأجدر بالاحترام، يقول الجابري:

»أعتقد أن نجم بحجم عمر الشريف لم يكن لينال هذه الشهرة لو أنه بقي في مصر، لأن السينما لا تعني فقط التقنيات والأداء، بل هي صناعة متكاملة احتضنتها هوليوود مبكراً وعرفت كيف تنجح بها، فحين تزور استديوهات التصوير الكبرى في أميركا مثل كولومبيا وفوكس وبارامونت وغيرها من الشركات الضخمة، تجد مدن كاملة لهذه الصناعة، لم تترك صغيرة أو كبيرة، وهناك بيئة وثقافة اجتماعية حاضنة لهذه الصناعة، بينما ظلت السينما في العالم العربي تراوح مكانها، وسينما العالم من حولنا تتطور، فهذه إيران والهند وتركيا والصين تقتحم هذا العالم وتفرض نفسها بقوة«.

تم تعيين الجابري مؤخراً مديراً لمسابقة أفلام من الإمارات التي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وجرى إطلاقها كتظاهرة عام 9991م على يد المخرج الإماراتي مسعود أمر الله آل علي، وحول صناعة السينما الإماراتية يقول الجابري:

»لقد رافقتُ مسابقة أفلام من الإمارات منذ ظهورها، وأعتقد أن الحمل الذي ألقي على عاتقي بإدارتها هو تشريف لي، لأن هذه المسابقة اكتشفت مواهب سينمائية إماراتية متعددة في الإخراج والتمثيل والسيناريو، وبعد مرور ما يقارب على 01 سنوات على إطلاقها فإنني أعتقد أن المسابقة لغاية الآن لم تؤتِ ثمارها، فهناك عقبات عديدة أمام صناعة السينما الإماراتية، فرغم توفر الإمكانيات والمواهب، إلا أن القطاع الخاص الذي يحرّك مجال السينما في كل بلد، ما زال متردداً في الإمارات.

وأعتقد أن اعتماد الإنتاج السينمائي أو الفني المحلي على المؤسسات الرسمية يجب أن يكون مدروساً بعناية، ومن الأمور الأساسية لقيام صناعة سينمائية في الإمارات، وجود أكاديمية للسينما في الدولة، وجود مؤسسة رسمية اتحادية لدعم صناعة السينما، إرسال البعثات الدراسية للتخصص في السينما، توفير صندوق سينمائي اتحادي لدعم المشاريع السينمائية، وعشرات من الأمور المهمة .

أبوظبي- محمد الأنصاري