لم يدق منبه الهاتف المحمول في السابعة صباحا كما تعوَّدت، أو لعله دق دون أن أنتبه إليه، فقمت متأخرا من نومي، وبالتالي ذهبت إلى عملي متأخرا في الحادية عشرة صباحا، ولم أكن معتادا على ذلك، لكن يبدو أن القدر كان يخبئ لي في هذا اليوم درسا من دروسه المجانية®.
انطلقت في طريقي إلى شركة السياحة التي أعمل بها مشرفا على الأفواج السياحية إلى مدينة شرم الشيخ، وانتهيت من عملي في التاسعة من مساء ذلك اليوم بعد وقتي الطبيعي بساعتين، وفي طريقي إلى البيت بسيارتي الخاصة شعرت بالجوع، وتذكرت أنني لم أتناول شيئا طوال اليوم سوى القهوة والشاي، فقصدت أحد المطاعم الشهيرة وتناولت وجبتي سريعا.
وقمتُ لأواصل رحلة الرجوع إلى البيت، وفجأة فوجئت بشاب يعبر الطريق مسرعا وكأنه سقط من السماء على غفلة من الجميع، ضغطت بكل قوتي على كابح السيارة في محاولة بائسة لتجنب الارتطام به، لكن كان ذلك مستحيلاً، ودوي الارتطام القاتل في أذني وأنا أرى جسده يطير في الهواء عدة أمتار، قبل أن يسقط على الأرض غارقا في دمه بلا حراك.
تجمع المارة من حوله ونزلت على الفور من السيارة محاولاً إنقاذه بأي طريقة، وبسرعة وضعته بمساعدة بعض المارة في السيارة وانطلقت به إلى أقرب مستشفى لإسعافه، وحين وصلنا قمت بإعطاء طبيب الاستقبال تفاصيل ما حدث، لكنني فوجئت ببرود تام كأنني لم أقل شيئا وكأن من معي لا يستحق إنقاذ حياته، وأخبروني في استقبال المستشفى الخاص القريب من موقع الحادث أن هناك تعليمات مشددة من مدير المستشفى بعدم استقبال أي حالة مهما كانت طارئة إلا بعد دفع الرسوم، أخبرتهم بأن الحادث لم يكن مرتبا .
وليس معي نقودا تكفي، ووعدت بأن أذهب على الفور لأحضر كل ما يريدونه من أموال، لكن عليهم أولاً الإسراع بإنقاذ حياة هذا الشاب، إلا أن صراخي ووعودي الجادة بدفع كل ما يريدونه لم تحرك في مسؤول المستشفى الاستثماري أي ساكن، ووجدت أنه لا جدوى من محاولة إقناعه.
فكل ذلك من عمر هذا الشاب الذي لا أعرف عنه شيئا، ولو أطلت الجدال أكثر من ذلك فقد تضيع حياة هذا الشاب المسكين، فانطلقت به سريعا إلى مستشفى حكومي، لكن بعد فوات الأوان، فقد فارق الشاب الحياة وتم التحفّظ على جثته حتى يتم الاتصال بأهله ليتسلموه، فأخبرتهم بأنني لا أعرف عنه شيئا، وبدأت رحلة فحص متعلقات الشاب من أجل التعرف إليه.
وأثناء ذلك فوجئنا بهاتفه المحمول يرنّ فإذا بصوت شابة تتكلم وتسأل عنه، وتعجبت من أن شخصا آخر يرد عليها، وأشارت إلى أنها خطيبته، فحاولت أن أهدئها وأشرح لها خبر وفاته بالتدريج حتى لا تحدث خسائر أخرى، لكنها لم تعطني فرصة لأبلغها ببقية التفاصيل وظلت تصرخ بلا وعي، فأخذ والدها الهاتف المحمول واستمع إلى التفاصيل وعرف المستشفى الذي نحن به ليبلغ أهله بالوفاة، ثم أعطاني لمزيد من الاحتياط رقم هاتف والد الشاب لتحاول إدارة المستشفى أن تخبره أيضا.
لم تمض نصف ساعة حتى وصل الأب منهارا، والصدمة على وجهه، وبدأ الجميع في تهدئته وأخبروه بأن الإجراءات ستتم سريعا ليتسلم جثة ابنه ويدفنه سريعا إكراما له®.
كان الرجل يكتم ألمه ودموعه أمام الناس إلى أن كُشِفت له الجثة فانهار ووقف الجميع إلى جواره يعزونه، فتمالك نفسه قليلاً حتى ينهي الإجراءات سريعا، وبدأ يتساءل عمّا حدث، فأجلسته وهدّأت من روعه.
وشرحت له بالتفصيل أنه كان من الممكن إنقاذ حياة نجله لولا استهتار المستشفى الخاص الذي ذهبنا إليه قبل أن نأتي إلى هذا المستشفى الحكومي، فسألني عن ذلك المستشفى كي يقاضي المسؤول عن إهماله، وحين أخبرتُه بالاسم سقط مغشيا عليه، وحين أفاق أعلن وسط بكائه أنه قتل ابنه بتعليماته، فالمستشفى الذي ذهب إليه الشاب قبل لحظات من وفاته ملك والده، والذي كان متواجدا في غرفته المكيفة على بُعد أمتار قليلة من نجله الذي ينزف حتى الموت، وها هو الآن يقف بين الناس ليتسلم جثة ابنه الذي راح ضحية تعليماته الخاصة.
ويبدو أن الفاجعة أزالت الغشاوة التي غطت على بصيرة الأب، وغلَّفت قلبه بالأطماع على مدى السنوات الماضية التي قضاها لاهثا في تحقيق مئات الملايين من آلام المرضى، وكأن مهمة الأطباء صارت استنزاف أموال المرضى بلا رحمة، فقد قرر أن يجعل 05% من خدمات المستشفى بالمجان للفقراء والحالات الطارئة ترحما على نجله الراحل، وكما تسببت تعليماته في موته، يأمل أن تكون تعليماته الجديدة سببا في رحمته.
القاهرة: دار الإعلام العربية
