عندما تتوالى موجات الرعب على المشاهد وهو جالس في ظلام صالة السينما، يكتشف بعد انتهاء الفيلم، أن حياته العادية أمر يمكن احتماله وأن متاعبه ومخاوفه اليومية، أقل مستوى مما يراه على الشاشة، وأن المآسي التي تقع أحيانا فوق (دماغه) أيسر من هذه الكوارث السينمائية.

ورغم إيقاع التوتر الذي تنجح أفلام الرعب من خلالها في إضفاء الفزع والهلع على المتفرج، تزداد جماهيرية تلك النوعية من الأعمال وخصوصا في الخليج، بل تصبح عند البعض أشبه بالإدمان، الذي يتم تبريره بأنه يعمل على صرف انتباه الجمهور عن أخطار حقيقية بتوجيه مخاوفه نحو أخطار وهمية.وخلال رحلة مئات الأفلام تنوعت الاتجاهات، فثمة أفلام الكائنات الوحشية ذات الطابع البشري مثل »دراكولا« و »فرانكشتين« وسلالتهما، وأفلام غزاة الفضاء بأشكالهم الغريبة وأسلحتهم الفتاكة، وثمة أفلام الطيور والحيوانات الشرسة، وأفلام النماذج والأشكال التي تتلبسها روح شريرة فتقتل وتدمر، وأفلام تركز على شخصيات وقوى خارقة، هذا بخلاف أفلام الأهوال الطبيعية التي تزيد نوبات الرعب تشويقا وإثارة.

ويصبح التساؤل المطروح، إلى أي مدى تؤثر تلك النوعية من الأعمال في الجمهور ويحملها صناعها من رسائل وأفكار، وهل هي مجديه ومفيدة وتحمل رؤية وعمقا أم أنها مجرد تسلية فقط؟. يستعرض (الحواس الخمس) في الحوار التالي هذه الظاهرة من خلال عيون مخرجة إماراتية، لنكتشف حقيقة علاقة هذه الأفلام بالناس؟!.نايلة الخاجة مخرجه شابة (معجونة) بالذكاء والحيوية والطموح والتحدي، تدرك جيدا مقوماتها وإمكاناتها، لا تترك مجالا تطرقه إلا بعد أن تضع عليه بصمتها الخاصة جدا والمميزة، عرفها الجمهور من موضوعات أفلامها المثيرة للجدل.(أصبحت وأمست وباتت) منذ بواكير طفولتها تحلم بنجومية السينما، وتسرح مع أفكارها إلى عالم آخر يتسع لتطلعاتها بلا حدود، دقت باب الفن السابع بأفلام قصيرة مثل »استكشاف دبي«، »عربانه«، و »مرة«.

تعترف بأنها حولت موهبتها إلى عمل يومي، وعندما تشاهد الأفلام في صالات السينما لا يدفعها فضولها كمخرجة إلى التركيز على مفردات السيناريو والتمثيل والتصوير وطريقة التقديم، بل تفضل أن لا تكون محللة وتزيل هذا التفكير من داخلها وتترك نفسها كمشاهدة لسحر السينما تغوص فيها تتعلم وتستمتع.

وخلال لقاء تم في مكتبها الكائن في مدينة دبي للإعلام، ومع أجواء ملصقات الأفلام وصور النجوم ومفردات عملها وتجهيزاتها لتنفيذ عمل جديد يحمل عنوان »ملل« يتم تصويره حاليا في الهند، كانت تلك الوقفات السينمائية معها في رحلة داخل كواليس بعض الأفلام القريبة إلي قلبها.

»ملل« هو آخر تجربة لي في صنع الأفلام القصيرة وسأحاول الاستفادة من ظروف التصوير والأعياد المقامة في الهند خلال فترة تنفيذه لإضفاء الجمال والاستعراض على عملي الذي أتوقع أن يزيد وقته ويصل إلى ربع ساعة.

تصريح ألمحت من خلاله نايلة الخاجة إلى تفاصيل جديدة عن فيلمها الذي فازت من خلاله بجائزة السيناريو في الدورة الأخيرة لمهرجان الخليج السينمائي، فانسحاب بطلة الفيلم »وئام الدهماني« يدفع »نايلة« بقوة إلى الوقوف ممثلة أمام الكاميرا وليس خلفها كمخرجة وهي أجواء مرعبة تتعرض لها للمرة الأولى، حيث تحكي أحداث الفيلم قصة عروسين إماراتيين يقضيان شهر العسل في مدينة »مونار« في كيرلا بالهند، ليكون أول عمل سينمائي إماراتي يصوّر خارج الدولة، ويمزج الدراما بالكوميديا والتي تأتي نتاج ملل الزوجة من طباع زوجها خلال شهر العسل.

وفي تعليقها على التعاون مع (twofour54) التي تمول فيلمها، قالت نايلة الخاجة الحاصلة على جائزة أفضل مخرجه إماراتية لعام 7002: تابعت تطور twofour54 منذ انطلاقتها ولدي الآن فرصة مميزة للتعاون مع فريقها والعمل على مشروع متميز، حيث تتاح لي الفرصة لتطوير صناعة السينما في الإمارات.

(المشاهدة المتواصلة تصنع المعرفة والرصد، وكوني مخرجة سينمائية يدفعني ذلك تلقائيا لمتابعة المهرجانات والإلمام بأهم الأعمال التي تثبت جدارة وتفوز بجوائز أو تكون تحت الضوء).

ترى نايلة الخاجة من واقع متابعاتها ضرورة أن تكون مواكبة لكل ما يعرض سينمائيا، وأن تكون على دراية بكل التطورات سواء من الناحية التكنولوجية أو الثقافية، فمثلا هي تؤكد معلومة أن التركيز عالميا هذا العام كان على السينما في المكسيك، أما في الوطن العربي فكانت الأفلام العراقية قوية وأفرزت حوالي عشرة أعمال شاهدناها وحصدت العديد من الجوائز.

(طبيعتي الشخصية تميل إلى أعمال الرعب والجريمة، وغالبية الأفلام في مكتبة الفيديو الخاصة بي تحت هذا التصنيف، فأنا عاشقة لشارلوك هولمز وفي طفولتي كنت مدمنة قراءة لـ «كوجاك «).

تستعيد نايلة الخاجة ذكرياتها مع الأفلام التي تحبها مثل »سيفن« و »الآخرون« و»طرد الأرواح من إيميلي روز« والذي شاهدته مؤخرا، وهي أعمال رعب من النوع الثقيل وليست مثل تلك الأعمال الخفيفة التي تقدم للمراهقين.

وتعتبر هذا الميل طبيعي في شخصيتها حيث ينعكس في أفلامها القصيرة ويسيطر على طريقة تقديمها لتلك الأعمال حتى ولو تطرقت إلى مواضيع اجتماعية، ففي »عربانه « تستعرض مشهد ذهاب الطفلة الصغيرة إلى مكان الخادم في الحديقة بنوع من الخوف والتوقع لبشاعة ما سيرتكب، وفي فيلم »مرة« عندما تذهب الفتاة المراهقة لمنزل صديقها بعيدا عن أي رقابة تتحرك الكاميرا راصدة للتصرفات في إثارة مقصودة.

وتسترسل نايلة الخاجة الحديث عن فيلمها الروائي الأول الطويل والذي تجهز له حاليا مؤكدة أنه يندرج تحت نوعية أفلام الرعب والجريمة، وتدور فكرته عن قصة حقيقية وقعت في السبعينات مع عائلة بدوية ذهبت إلى الصحراء حيث التقت مع عائلة ألمانية، وتبدأ فصول الغموض والإثارة مع فقدان طفلة يكتشفها هارب من مطاردة طبيبة تحاول قتله، ومع أحداث مرعبة نتعرف على خبايا وأسرار ممزوجة بتراث تلك المرحلة.

(الأفلام التي أقوم باختيارها رغم كونها تجارية لها صدى عالمي، وهي تشكل بالنسبة لي توجه كمنتجة، فيها تعب وإبداع بعيدا عن التكنولوجيا التي تسهل الأمور وتفقد الأشياء قيمتها مثل الفرق بين الغناء القديم والجديد).

إجابة لخصت رأي نايلة الخاجة في السينما وأفلامها التي تحب أن تشاهدها وتنتجها أيضا، ومن مكتبة أفلامها استعرضت فيلم الجريمة والدراما المثير(البرتقالة الآلية ـ A Clockwork Orange) الذي شاهدته للمرة الأولى في كندا، وقامت بشراء البوستر الخاص به من لوس أنجلوس وهو ترجمة لحبها وتعلقها بهذا العمل الذي كتبه وأخرجه ستانلي كوبريك، وهو من إنتاج عام 1791 ويعد العمل التاسع له خلال رحلته مع السينما، بطولة مالكوم ماكدويل، وارن كلارك، جيمس ماركوس.

ومازال هذا العمل كما تقول »نايلة« ممنوعا من العرض في بعض بلدان العالم لما يحتويه من عنف ورعب متطرف، بخلاف رسالته السلبية التي يقدمها السيناريو المكتوب بحرفية والذي يجعل المشاهد يعيش ألوانا متعددة من المشاعر.

ولمن يريد مشاهدة هذا الفيلم تؤكد »نايلة« بأنه موجود على بعض المواقع في الانترنت، ويتناول قصة مثيرة للجدل عن 5 شباب مجانين يثيرون ضجة في المدينة مع عنف شديد، يرأسهم »إليكس« الذي تعرض لبرنامج تجريبي كي يتكيف مع المجتمع والذي ساهم في تخفيض مدة عقوبته في السجن، لكنه يخرج ليشكل عصابة من المراهقين يقومون بأعمال تخريب وضرب واغتصاب ضحايا كل ليلة، وبعد أن يتسببوا في إحراج كبير للحكومة يتم القبض عليهم وإدانتهم، لكن الفساد الموجود في الشرطة والسياسة يساعد على نهاية صادمة وغير متوقعة للمتفرجين.

(يعتبر هذا العمل أحد أكثر الأفلام رعبا في تاريخ السينما ومصنف ضمن أفضل 052 فيلم في العالم بحسب موقع IMDB وطويل نسبيا فمدته »ساعتان و21 دقيقة « وهو لمن هم فوق 81 سنة).

لا تبذل نايلة الخاجة مجهودا في تذكر أحداث الفيلم الأميركي (طارد الأرواح الشريرة ـ The Exorcist) وهو من إنتاج عام 3791 ومن إخراج وليام فريدكن، عن راوية بالاسم نفسه كتبها ويليام بيتر وبطولة ألين بريستين، ليندا بلير، جيسون ميلر ويمكن أيضا الحصول عليه من مواقع الانترنت.

تبدأ أحداثه في حفر أثرية بالقرب من نينوى في العراق، حيث يقوم عالم آثار بجلب حجر صغير فيه جني (شيطان وحشي) يصل إلى بيت في واشنطن يوجد به فتاه عمرها 21 عاما تعيش مع أمها المطلقة والتي تعمل ممثلة التصوير في جامعة جورج تاون، وتظهر على الفتاة تغييرات كثيرة وتتعرض لقوى غير طبيعية وبعد كل المحاولات الفاشلة من الأطباء والعلماء في إيجاد علاج لها، تلجأ أمها إلى رجل دين يدعى كاراس وزميله المختص ميرين للقيام بما يسمى بعملية طرد الأرواح وهنا تتعرض إلى أحداث مرعبة وذلك بسبب المحاولات العديدة لإيقاف طرد الأرواح.

والإبداع في هذا الفيلم كما ترى »نايلة« في أنه يعتمد كليا على التمثيل وطريقة تصوير الكاميرا، وبعيد تماما عن خدع الكمبيوتر التي نشاهدها حاليا في هذه النوعية من الأعمال.

(منطق مفهوم ومعقول أن يكون لأفلام الرعب جمهور كبير، لكن المطلوب رصد لهذه الظاهرة ومعرفة أسبابها خصوصا بين الفتيات، ونرى كيف يمكن الاهتمام والارتقاء بها في عالمنا العربي؟).

هذه الأسئلة طرحتها للنقاش نايلة الخاجة، حيث ترى أن أفلام الرعب تحتاج إلى الابتكار والتنوع وعدم التكرار حتى لا تتعرض للفشل ومثال ذلك فيلم »كابوس في شارع أيلم« الذي فقد كثيرا من خلال نسخته الجديدة لعام 0102 .

والتي لم تكن في مستوى العمل الأول، كما تؤكد على ضرورة الاهتمام بأفلام الرعب والجريمة في الشرق الأوسط لأن محتواها سيكون مختلفا وستغري الجمهور في الغرب للإقبال عليها خصوصا أن تكلفتها الإنتاجية ضعيفة وليست كبيرة. ويبقى الإبداع مع التقنيات ـ من وجهة نظر »نايلة« ـ إضافة لروح السينما الأصلية المعتمدة على السيناريو والتمثيل الجيد عناصر ضرورية ومهمة لنجاح أي عمل.

دبي - أسامة عسل