حتى هذه اللحظة ما زلت اشعر بوجودها قربي، كل يوم أفتح هاتفي المتحرك أقرأ رسائلها واحدة واحدة ثم أعود لأغلقه فهو مخصص لها فقط، الرسائل التي كانت تشجعني على الحياة وتبث في قلبي الايمان وتؤكد لي أن هناك دائما أملا في آخر الطريق، غابت مرسلتها عني وبغيابها تغيرت كل حياتي ولم يعد لها طعم، وإن كان هناك شيء يجعلني أمضي قدما فهي رسائلها الباقية في روحي قبل هاتفي.

كنت أشارك كثيرا في العمل التطوعي والفعاليات الوطنية في الدولة، وكان هذا النشاط يجعلني متواصلا مع الحياة متجاوزا لهمومها، وكانت احتفاليات العيد الوطني للدولة قائمة، وكنت مشاركا في إحدى الفعاليات بأبوظبي، وكانت جموع المشاركين تعمل بنشاط وكانت هي بينهم متألقة محبوبة من الجميع مبتسمة، تبدو شعلة من النشاط، لفتت نظري وقد كانت من حسن الخلق والأدب أنها تفرض احترامها على الجميع وقد بقي هذا الاحترام محفوظا حتى تلك اللحظة، بل أجد أنه زاد اضعافا.

كانت الفعاليات جميلة جدا ولم يصورها أحد سواها فقد أحضرت كاميراتها معها، وكنت أرغب بالحصول على الصور فسألت السيدة المسؤولة عن مجموعة المتطوعات وهي امرأة فاضلة تتعامل مع الجميع بأمومة وحرص فأخبرتني أني يمكن أن أحصل على الصور فيما بعد لأن تلك الفتاة هي الوحيدة التي صورتها وكانت هي حاضرة فتبادلنا الأرقام لأحصل على الصور، وبالفعل أرسلت لي الصور بعد يومين ثم جمعتنا فعاليات أخرى كنت أمر خلالها بأزمة نفسية كبيرة، وكانت تحاول التخفيف عني ومساعدتي على الصبر والتمسك بالإيمان، ووجدت نفسي متعلقا بها قريبا منها اشعر بالطمأنينة كلما حدثتني، فكرت بالأمر كثيرا وسألت عنها وأدركت أنها المرأة المناسبة لي والتي يمكن أن أبني حياتي ومستقبلي معها، لذا قررت أن أقوم بخطوتي الأولى.

اتصلت بها وطلبت أن أحدثها بموضوع خاص، فقالت يمكنك التحدث على الهاتف، فأخبرتها بشعوري نحوها، أجابتني أنها تقدر هذا الشعور لكن للبيوت أبوابا يدخل الناس منها، فأخبرتها أني قررت مفاتحة والدها بالأمر لكني أحببت أن أحصل على رأيها قبل أن أتصرف، فأجابت بلطف انها تنتظر موعد مفاتحتي لوالدها، شعرت حينها أن الدنيا تبتسم لي مع ابتسامتها، وان ما كنت أتمناه قريب الحصول، صرت ابتسم وحدي وابتسم للناس وأعيش حالة من الهدوء منتظرا موعدنا أول الشهر لأذهب إلى بيت أهلها، كانت رسائلها وهي ترسل تحية الصباح تجعل يومي باسما وكأني في حديقة زهور روائحها تنعش الروح.

فاتحت أهلي بالموضوع وجاءت مباركتهم لي لأنهم يثقون باختياراتي وطلبت منهم أن ينتظروا حتى أحدث والدها لأحصل على موافقته وبعدها نزورهم لإتمام الخطوبة، كنت أنتظر اليوم الذي زور فيه بيت أهلها، وأقدر أنها تعيش في السكن الجامعي بأبوظبي وتعود إلى أهلها نهاية كل أسبوع لذا رغبت أن تكون موجودة خلال زيارتي لأهلها فحتى لو لم أرها سأشعر بالقوة لوجودها معي، وهكذا كنت أنتظر عودتها بفارغ الصبر، اتصلت بها كان هاتفها مغلقا خمنت أنها بين الأهل وربما ترغب بالبقاء معهم بعيدا عن ضوضاء الهاتف.

تكررت اتصالاتي على مدى أسبوعين لكن هاتفها كان مغلقا ولا سبيل لمعرفة أخبارها، فقد كنت حريصا عليها ومترددا أن أسأل أي شخص عنها كي لا أثير التساؤلات، صار القلق يأكلني وأنا لا أعرف ما أفعل، قررت أن أتصل أخيرا بالسيدة التي تتابع نشاط الفتيات المتطوعات وهي امرأة ثقة وأنا أحترمها جدا، فاتصلت محاولا أن يكون سؤالي عاديا قدر الامكان، لكن الجواب لم يكن عاديا أبدا إذ أجابتني السيدة أن فلانة توفيت منذ أسبوعين في حادث سيارة®.

لم أستوعب الخبر، ربما لم أستطع تقبله أغلقت سماعة الهاتف وعدت أتصل بحبيبتي، لكن الهاتف لا يزال مغلقا، لا أدري كيف قضيت يومي كنت شارد الذهن ولا أستطيع التفكير بشي، اتصل في اليوم الثانية بالسيدة نفسها، سألتها هل كنت تمزحين معي في الموضوع، أجابتني هذا موضوع ليس للمزح، نحن كلنا نشعر بالحزن لفقدها فهي من الفتيات المميزات في كل شيء.

حاولت التأكد من الخبر ذهبت قريبا من بيت والدها حاولت السؤال فعرفت أنها توفيت بالفعل، وأن الأهل والجيران في حالة حداد غريبة عليها فقد ألغيت الأعراس وصارت الاحتفالات بشكل مختصر جدا والكل يشعر بالحزن ولا يصدق فقدان تلك الفتاة التي كانت مضرب أمثال الحي في حسن التصرف والأخلاق، وكان الجميع يتحدثون بمرارة عن الحادث البشع الذي تعرضت له فقد صدمت شاحنة سيارتها واحترقت السيارة وهي بداخلها، كان خبرا مؤلما للجميع، أما بالنسبة لي فهو مأساة حقيقية لم أستطع استيعابها بسهولة.

فكرت أن أقدم العزاء لوالدها لكني لم أجرؤ على فعل ذلك خوفا من انهياري أمامه، الأمر الذي يفرض تساؤلات كبيرة عنده، لا أحد بحاجة لها الآن، لذا حملت أحزاني وحدي وصرت أتصدق عنها وسأقوم بالعمرة وأهديها لها، وأبقى أشتاق لها جدا فهي المرأة التي اختارتها روحي.

دبي ـ دلال جويد