هل حقا تؤثر السينما على المجتمع؟ وهل فعلا تسهم الأفلام بالإيجاب أو السلب في تشكيل قيم ووجدان المشاهدين؟. البعض يقول نعم ويسترشد بالنماذج الإيجابية وطريقة معالجتها الممتعة وطرحها للمشاكل والقضايا. في حين يرفض البعض الآخر ويؤكد أن الأمر في مجملة تسلية تستخف أحيانا بالعقول. بين هذا الرأي وذاك أصبح الذهاب إلى صالات السينما إما مطلبا أسبوعيا له طقوسه الفكرية والروحية أو مكانا للنزهة وتضييع الوقت.
ولا يمكن أيضا، تجاوز استمرار تواصل نوعية أخرى من المهتمين مع مكتبة بيع وتأجير الفيديو لانتقاء الأفلام ومشاهدتها بعناية. هذا في الوقت الذي انشغلت فيه غالبية الأسر بمتطلبات الحياة ومسؤوليتها واعتبرت تذكرة السينما مرهقة ماديا فاكتفت بالفرجة على قنوات الأفلام المجانية في الفضائيات.يستعرض (الحواس الخمس) سلسلة من الحوارات ترصد هذه الظواهر ووجهات النظر المختلفة مع خبراء ومشاهير ونجوم وصناع أفلام، ومن خلال الأعمال - القديمة والجديدة - نقرأ ونحلل ونكشف الأبعاد الفنية والاقتصادية والثقافية والسياسية لعلاقة السينما بالناس.
للقراءة والمشاهدة مفعول السحر على الشاعر وكاتب السيناريو الإماراتي خالد البدور، لم لا والكتاب لا يفارقه فهو رفيقه في كل مكان كما أن الفيلم السينمائي همه وطموحه القابع في ثنايا أحلامه، فهو أحد الذين حملوا على أكتافهم تأسيس حركة سينمائية في الدولة.الكلمة والصورة هما هاجساه الدائم، لذلك يلازمه القلم والورق باستمرار في انتظار ما ترصده عيناه من تفاصيل محيطه، يفتش فيها عن شرارة الوحي لمشهد سينمائي أو مدخل لقصيدة.
يرى من واقع متابعاته أن لغات الفيلم السينمائي تطورت حاليا وأوجدت شرائح مختلفة من الجمهور جعلت خياراته أكثر وأوسع، ومن ثم أصبح هناك جماهيرية كبيرة للسينما خصوصا الهوليوودية التي تهيمن على أفكارنا بسبب قدرتها التقنية العالية والتسويقية.
وخلال لقاء احتوته سينما فندق متروبوليتان بشارع الشيخ زايد ومع أجواء ملصقات الأفلام العربية والهندية والأميركية وصور النجوم لم يتردد في الوقوف أمام شباك التذاكر ليتابع الجديد هذا الأسبوع، وداخل صالة عرض صغيرة قرر أن يأخذ قراء (الحواس الخمس) في رحلة سريعة إلى كواليس عالم الفن السابع، قلب فيها الصفحات واستعاد من مخزون ذكرياته مواقف لا ينساها ولقطات أفلام حفرت بصمات راسخة على الصعيد الإنساني والوجودي.
شعبية السينما
(في تصوري أن علوم السينما النظرية والنقد السينمائي والتقنيات الحديثة والجامعات، أوجدت عددا من المخرجين استطاعوا مع كتاب السيناريو أن يبتكروا ثيمات وقصصا غير عادية).
هذه الأمور كما يعتقد خالد البدور أدت إلى زيادة مساحة الاهتمام بالأفلام وأوجدت بالتبعية شعبية كبيرة لها وأفرزت تصنيفات شملت أيضا الجمهور، فهناك شرائح تهتم بأفلام العنف والرعب والأكشن، وشرائح أقل للأعمال التي تحاول أن تخاطب العقل وتطرح قضايا كبرى، لكن يبقى طقس الذهاب إلي السينما مع كل تطورات التكنولوجيا من »انترنت وتلفزيون ثلاثي الأبعاد، وخلافه« ميزة لا يضاهيها أي فن أو صناعة أخرى.
رفيقة المشاهدة
(السينما توازي عندي وجود الكتاب للقراءة وهذه الرغبة تدفعني بشكل متواصل لمشاهدة الأفلام إما داخل البيت من خلال مكتبة الفيديو أو الذهاب إلي قاعات العروض المختلفة).
لا يبذل خالد البدور مجهودا في تذكر آخر مرة ذهب فيها إلى السينما وذلك من خلال فيلم »مسخرة« الجزائري الفائز بجائزة مهرجان دبي السينمائي والذي عرضته قاعة ذا بيكتشرز هاوس في ريل سينما وحضره مع زوجته المخرجة السينمائية نجوم الغانم رفيقته الدائمة في المشاهدة، والتي يرشح لها أهم الأعمال من خلال متابعاته لما ينشر في الصحف أو رصده لمشاركاتها في المهرجانات، هذا بخلاف حرصه على اصطحاب بناته كل فترة لرؤية أفلام ديزني وأعمال التحريك بخاصية »ثري دي« ومنها أفلام »أليس في بلاد العجائب« و»شريك« و»حكاية لعبة«.
قوة هوليوود
(للأسف لا نستطيع أن نرى في بلادنا سوى الأفلام الأميركية ولكن هناك أفلاما جميلة موجودة في أماكن أخرى من العالم، أوروبا وآسيا وأفريقيا حتى في الدول النامية، لكن هوليوود بقوة استثمارها تزيح من أمامها أي منافس)
.
وجهة نظر خالد البدور لا تعني أنه ليست هناك أفلاما أميركية مختلفة، بل يؤكد أن أعمالا مثل »الرقص مع الذئاب«، »رجل المطر«، و»ذهب مع الريح« تشكل في مجملها تيارا متميزا له فروعا أخرى لا يتم الترويج لها محليا، والصدفة فقط هي التي تجعلنا أحيانا نرى فيلما فاز بالأوسكار أو في طريق ترشحه لهذه الجائزة أو غيرها، وبالتالي تلعب شركات الإنتاج على الشريحة الأكبر التي تهتم بالعنف والرعب والجريمة لأنها هي التي تمول هذه الأعمال من خلال شباك التذاكر.
سر النجاح
(العمل السينمائي الحقيقي فكر ورؤية وبقدر ما يصل هذا الفكر وهذه الرؤية للمشاهدين، بقدر ما يبقى في ذاكرتهم ووجدانهم وبقدر ما يمس أو يلمس هذا العمل واقعهم بقدر ما يعيش ويتعايش معه الجمهور).
يرى خالد البدور أن تلك القاعدة تنطبق على كل الأفلام لكن المتميز منها فقط هو الذي يستطيع أن ينافس ويحصد الجوائز، يؤكد ذلك من خلال استعراضه لأعمال موجودة في محلات بيع وتأجير شرائط الفيديو ويمكن للقراء الحصول عليها مثل الفيلم الأسباني »البحر بداخلي ـ The Sea Inside« الحائز على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 5002، والفيلم البريطاني »التكفير عن الذنب ـ Atonement« الحاصل على جائز الغولدن غلوب كأفضل فيلم درامي لعام 7002، وسر نجاحهما يكمن في طريقة سرد كاتب السيناريو ومعالجة المخرج لقصتيهما.
البحر بداخلي
(هذا الفيلم غير أشياء في حياتي ومازلت أعيشه حتى اليوم في مخيلتي ربما لأنني كنت في جدل ذاتي حول معنى الموت والحياة، وتعلمت منه أن هناك أشياء كثيرة في الحياة تستحق الحياة وأشياء أكثر تستحق الموت).
يستعيد خالد البدور وقائع قصة فيلم »البحر بداخلي« التي تتعلق برجل يدعى »رامون ـ الممثل خافيير بارديم« كان في شبابه يعمل ميكانيكيا على متن سفينة، أصيب بالشلل الرباعي في حادث بشع يتلخص في قفزه من مكان مرتفع بغرض السباحة ليفاجأ بعمق قليل للبحر ويقعده الشلل في السرير ما يقرب الـ 03 عاما، وعلى مدار تلك السنوات ظل يكافح ليحصل على حق إنهاء حياته.
»رامون« في الفيلم جعله المخرج شاعرا وكاتبا حتى إن اسم الفيلم مأخوذ من عنوان لقصيدة كتبها، وهذا ما ساعد على شحن الفيلم بتأملات ذات طبيعة شعرية فلسفية تنطلق من شخصية رجل تعلم إخفاء حزنه بابتسامة، وصار يتعامل مع المأساة بسخرية، ويغطي عجزه في التعامل مع الواقع عن طريق الحلم.
من أجمل مشاهد الفيلم عندما يتخيل »رامون« أن الحياة عادت لأطرافه فيحلق عاليا تاركا السرير مستعرضا الطبيعة الخلابة التي تفيض بالحياة فوق الجبال والأشجار والبحر، وكأنه أصبح روحا هائمة بعيدا عن الجسد الذي أقعده لسنوات حبيس المكان الواحد. أخرج الفيلم الأسباني إليخاندرو آمينبار الذي حقق شهرة عالمية من خلال فيلمي »فتح عينيك« و»الآخرون« ورشح ونال هذا العمل 75 جائزة دولية.
تكفير الذنب
(اتونمنت أو التكفير عن الذنب قصة حب محكية بشكل مختلف ومقدمة للجمهور بأكثر من عين، حيث تبرز الدوافع الإنسانية لدى البشر مع إبداع المخرج في إظهار جمال الحدوتة بطريقة بصرية رائعة).
يسترسل خالد البدور معلوماته حول الفيلم الذي أخرجه جو رايت، بأنه مقتبس عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب البريطاني ايان ماك ايوان ومن بطولة جيمس ماكافاوي وكيرا نايتلي وفانيسا ريدغرايف، ويسرد قصة فتاة بريطانية في الثلاثينات تحلم بكتابة رواية، تفاجئ شقيقتها الكبرى مع ابن البستاني فتختلط في ذهنها الوقائع الحقيقية بالمخيلة الروائية وتبتكر قصة تحرش جنسي تبدل حياة الثلاثة بشكل جذري.
تجبرنا أحداث الفيلم في السلم والحرب على التفكير بعمق حول مستلزمات ذنوبنا من جهة ومستلزمات التكفير عنها، سواء في واقعنا اليومي أو على أقل تقدير في وسائلنا الافتراضية اليومية كالكتابة وهذا ما حصل حيث صدمنا التساؤل وسحرتنا كل لحظة ولقطة من العمل الذي أكد كم هي نادرة هذه النوعية من الأفلام.
وفي كل الأحوال نجح المخرج ببراعة فائقة في أن يزودنا بمشاهد تمتاز بدقة وجمالية تمتلك خصوصية مختلفة عما هو معتاد، ما جعل الفيلم يحصل على جائزة أوسكار لأفضل موسيقى تصويرية، وفاز كذلك بجائزة أفضل فيلم لعام 7002 خلال توزيع الجوائز السينمائية الواحد والستين للأكاديمية البريطانية.
أربعة أفلام
(السينما ليست محاكاة للواقع حتى وإن بدا ذلك بل هي أشبه بالمجهر الذي يكشف ما قد يخفى عن العيون أو هي وثيقة تؤرخ لفترات حياتنا أو أقرب ما تكون بشاهد على عصره يتناوله وينقده ويحلله).
إجابة لخصت رأي خالد البدور في الفن السابع وأفلامه التي يحب أن يشاهدها وسط عدد قليل من الجمهور حتى لا يفقد تركيزه في صالة السينما، معطيا الأولوية في اختياراته للأعمال ذات البعد الإنساني والتي تؤثر في وجدان المشاهدين.
دبي - أسامة عسل


