هبة التي فقدناها كانت آخر العنقود وصغرى الأخوات، وكوني الأخ الأكبر؛ فهي بمثابة ابنة لي، لم تتجاوز التاسعة من عمرها، وحتى اليوم لا أستطيع أن أنسى ابتسامتها ومرحها الذي كان يملأ البيت بهجة وفرحا، وفي الصيف الماضي كانت أكثرنا حماسا لرحلة لبنان، حيث نقضي الصيف كل عام في منطقة البقاع، وقد حالفني الحظ؛ فقضيت معها اسبوعا كاملا هناك.

الرحلة إلى لبنان تعني للأسرة فرحة مضاعفة؛ فهي سفر إلى لبنان بلد الجمال والسحر، وسفر إلى الأخوال؛ فوالدتي لبنانية ووالدي يمني، وكل عام نغادر الإمارات إلى لبنان لنستمتع بصيف جميل وهادئ، لكن الصيف الماضي كان مختلفا؛ فقد حمل لنا ما لم نتوقعه، إذ غادرت والدتي وأخوتي إلى لبنان وبقي والدي في الإمارات، إذ لم تساعده صحته على السفر، وكانت الأيام تسير هادئة بلا منغصات، وكانت أخواتي الصغيرات يلعبن كل يوم في الضيعة حتى جاء هذا اليوم الذي كن فيه عائدات يسرن إلى جانب الطريق، وكانت هبة صغرى الفتيات أقربهن إلى الشارع.

يرتجف صوت محمد العزب، وهو يستعيد رواية الحادثة التي جعلت غمامة الحزن تظلل بيتهم، فالرجل الذي ذهب مع اسرته لقضاء الصيف في لبنان عاد حاملا على كتفيه جبلا من الحزن بصحبة أم صابرة وأسرة لا عزاء لها سوى الصبر والايمان.

يكمل العزب حديثه قائلا: كانت الشاحنة الكبيرة تسير في الطريق، وهي مائلة الى الرصيف، وكانت هبة تدير ظهرها للشاحنة ولم تنتبه لها لتتجنبها؛ فصدمتها الشاحنة من دون أن تتوقف، فالسائق لم ينتبه للأمر، إلا بعد أمتار عدة، وقد سقطت هبة صريعة، وليس معها سوى أختيها اللتين صدمتا وصارتا تصرخان، فهرع الجيران إلى حمل الفتاة إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة، وقد كان السائق يقف على جانبي الطريق مصدوما وباكيا، بينما قابلت والدتي الخبر بصبر عجيب، إذ بقت تعيد ذكر الله سبحانه وتعالى وتحتسبها عنده، حتى إن رجال الدين في الضيعة أشادوا بصبرها.

كنت قد عدت إلى الإمارات قبلهم، وما أن سمعت بالخبر حتى رجعت إلى لبنان لأدفن أختي الصغيرة التي فارقتها ضاحكة سعيدة وعدت إليها وهي جثة هامدة، فكانت بالنسبة لي تجربة مؤلمة لم تقف عند حد موتها، بل كانت الصدمة في موقف السائق الذي رفض الاعتراف بخطئه، وادعى أن الخطأ خطأ المرحومة وهي التي كانت تسير على الطريق، وهذا الأمر جعل الغضب يعم أفراد الأسرة.

لم يكن السائق يمتلك رخصة قيادة، وكان عمره خمسين عاما، وقد وضع في السجن بسبب الحادث لكن إفادته جعلت ثائرتي تثور لأن حق المرحومة عليه أنه يعترف بخطئه لا أن يلقي اللوم عليها، ويبدو أن تخوف من ردة فعل أهلي وهذا الخوف جعله لا يدرك أن النجاة في الصدق، فاصراره على الانكار حول موقف أهلي وعشيرتي تحولا جذريا وصاروا يطالبون بأن يخضع لقانون العشائر، وتوترت الأمور بين قرية أخوالي وقرية السائق، وكان أهلي لا يريدون غير اعترافه بالخطأ وقد وكلنا محاميا لمتابعة القضية، حيث قضى الرجل شهرين في السجن.

وجاء موعد المحكمة، وكانت هي الفيصل التي تحدد موقفنا منه، إذ كان يمكن للمسألة أن تصل إلى الثأر، وقد صار أهلي باليمن يطالبون به لأن موقفه يعبر عن استخفاف بأهل الضحية، وقد وصلت المحكمة وحدثتني نفسي بأمور كثيرة، والتقيت به عند باب المحكمة؛ فحاول أن يكلمني فكان الشعور بالغضب الشديد.

ولم استطع تمالك نفسي؛ فأبعدني الحاضرون عنه وكنت أنتظر أن أسمع شهادته لأوصلها لأهلي فيقررون كيف يتصرفون معه، وحين وقفنا أمام القاضي توجهت إلى الرجل وقلت له »قل شهادة الحق ولا تخف«، ولكنه كان خائفا ومترددا وقد حاول تأجيل الجلسة بانتظار المحامي، وبعد تأجيل الجلسة ساعة.

ولم يحضر المحامي تكلم والعبرة تخنقه قائلا كنت أنا المخطئ، ولم أنتبه للفتاة على جانب الطريق حيث كانت سيارتي مائلة فصدمتها من دون أن أقصد، وكان الأمر مؤلما جدا لي، وقد صادف أني أكون أبا للمرة الأولى بعد سنوات من الانتظار، حيث رزقني الله بفتاة بعد الحادث بشهر، وكانت زوجي تعاني الإسقاطات المتكررة، لكن هذا الحمل ثبت في بطنها لذا أسميت ابنتي على اسم المرحومة لأتذكر خطأي ولأشعر بالتعويض عن الطفلة البريئة التي تسببت بانهاء حياتها.

حينها شعرت أن الحق ظهر واستطعت أن أتفهم موقف الرجل فقلت له في المحكمة »الله يحفظ هبتك ويرحم هبتنا وعفا الله عنك«، وكان الناس في المحكمة يبكون من التأثر حتى كاتب القاضي بدأ بالبكاء، ولم يستطع الاستمرار، وكان قد حضر المحاكمة عدد كبير من الناس وكذلك القنصل اليمني الذي كان مواكبا للقضية منذ بدايتها، وعدت الى أهلي حيث حملت إليهم رسالة الرجل التي نشرت التسامح وجعلتنا نترحم على ابنتنا وندعو أن يكون مثواها الجنة.

دبي - دلال جويد