في الوقت الذي يتوقع العلماء تزايد معدلات مرض الزهايمر بين الشباب والفتيات ممن هم في سن العشرين إلى الأربعين، أثارت إحدى الدراسات الأميركية التي نُشرت قبل أشهر في دورية الجمعية الأميركية لطب الشيخوخة جدلاً كبيرًا بعد كشفها إمكانية انتقال المرض بين الزوجين حال إصابة أحدهما به.
وذلك نتيجة المعاشرة الزوجية التي تلعب - بحسب الدراسة - دورًا في انتقال المرض.. لكن ما مدى صحة افتراض الدراسة؟ ولماذا يتعرَّض الأزواج دون غيرهم لخطورة انتقاله؟ وكيف يمكن الوقاية من ذلك؟.. كل تلك الأسئلة طُرحت على عدد من الأطباء فكانت إجابته عبر السطور التالية.
بداية يُعرِّف د.عبدالمنعم عاشور، رئيس جمعية الزهايمر المصرية، المرض بأنه تلف تدريجي يصعب إصلاحه في مناطق المخ المختلفة والتي تتحكم في الذاكرة والتفكير فتضمر بسببها الخلايا لتُحدث فجوات في المخيلة لدي الشخص المصاب سواء في الأحداث القديمة التي مرَّ عليها فترة طويلة أم في الأحداث التي وقعت منذ فترة قصيرة.
ويلفت إلى أن الأشخاص المرافقين للمصابين بالزهايمر سواء كانت الأسرة أم أحد الزوجين، فجميعهم يبذلون مجهودًا مع مريض الزهايمر يعادل 6 أضعاف ما يبذلونه مع المصابين بأمراض عضوية؛ حيث يعانون من التوتر المستمر والحذر الشديد في التعامل، وفي الوقت نفسه يعانون من خطورة عالية للإصابة بالمرض بمقدار يعادل 6 مرات مقارنة بالأشخاص الذين لا يعاني مرضاهم من الزهايمر.
وفيما يتعلق بالدراسة التي أُجريت في أمريكا، فيؤكد عاشور أنها لم توضح الأسباب الحقيقية وراء تفشِّي المرض وانتقاله بين الزوجين بالذات، وإن كانت الحقيقة الثابتة حتى الآن هي أن التوتر الناتج عن رعاية مريض الزهايمر يجعل الشخص المرافق له في حالة تأهب مستمر، ما يؤدي إلى إصابة المخ والخلايا المخية والوصلات العصبية بالإرهاق الشديد الذي يؤثر في تفكيره، ويجعله يميل للنسيان بصفة مستمرة....
عينة من الأزواج
وفي سياق متصل، يشير رئيس جمعية الزهايمر المصرية إلى تلك الدراسة التي أُجريت على عينة من الأزواج يصل عددهم إلى 2442 وتراوحت أعمارهم ما بين الستين والسبعين عامًا، وكان نصفهم مصابًا تقريبًا بهذا المرض.
ويقول: «بعد ملاحظات استمرت عامًا كاملاً أكدت الدراسة إصابة 125 زوجًا و 70 زوجة بهذا المرض نتيجة معاملتهم المباشرة للمرضى سواء كانوا أزواجًا أم زوجات، فأصبح بعضهم لا يتذكر المكان الذي قضى فيه عطلته أو الجهة التي أوقف فيها سيارته.
وأصيبوا بعدها بعدم الانتباه وصعوبة التركيز ولم يعدوا قادرين على قيادة سياراتهم، وافتقدوا عناوين أقاربهم وأصدقائهم، وبعدها خلطوا بين الليل والنهار ولم يعرفوا أيام الأسبوع أو التوقيتات المختلفة والمناسبات والإجازات والعطلات».
لوحظ أيضًا على هؤلاء المرافقين - كما يؤكد أستاذ طب المسنين - صعوبة استحضار المرادفات وغياب الانتباه وصعوبة التركيز في أشياء مهمة جدًا تخصُّ الأسرة.. مضيفًا أنه في العام الثاني من الدراسة دخل هؤلاء الأشخاص في اضطرابات إدراكية حسية فقدوا بعدها كل اتصال بالعالم الخارجي، ولم يستطيعوا التفريق بين زر الكهرباء وزر الغاز، ودخلوا في مرحلة تُضاهي الخطورة نفسها التي يعيش فيها أزواجهم، ولم يستطيعوا التعرف إلى أبنائهم أو التفريق بينهم وأحفادهم.
ويلفت إلى أن المثير في الأمر هو أن هناك بعض الأزواج من عينة الدراسة عاشوا 10 سنوات بعد إصابتهم بالزهايمر، لكن اضطربت أفعالهم الحركية لأعضاء الجسم، وضاعت حركاتهم اليومية مثل فتح الباب أو إضاءة المصابيح.
وأصبحوا لا يفرِّقون بين الضوء والظلام، وظهرت عليهم نوبات سلوكية نمطية تحوَّلت إلى عدوانية، واضطرب تقديرهم للأمور حتى غابوا تمامًا عن هذا العالم وأصبح لهم عالمهم الخاص، وتحوَّلوا إلى أطفال لا تتجاوز أعمارهم العامين ونصف العام، واستمر بعضهم على هذا الوضع من 10 إلى 20 عامًا ..
عدوى بالعاطفة
يختلف مع الرأي السابق د. يسري عبدالمعطي، أستاذ الطب النفسي.. موضحًا أن الزهايمر ليس مرضًا معديًا ولكنه ينشأ نتيجة ترسيب نوع من «اللاكتوبروتينات» في خلايا المخ فتعجز عن أداء وظائفها في نقل المنبِّهات العصبية.
ويحدث ذلك في مراكز الذاكرة خصوصًا إحدى مناطقها المهمة والتي يطلق عليها «ترن آمون»، فيبدأ الترسيب في الغالب في الذاكرة القريبة ولا تتأثر به الذاكرة البعيدة.. لافتًا إلى أن ذلك ساعد على اكتشاف جين يطلق عليه Aboa4 تربطه علاقة مباشرة بالزهايمر الذي يصاحب المتقدمين في السن.
لكن أستاذ الطب النفسي عاد وأشار أن هناك عددًا من العوامل البيئية تساهم في الإصابة بهذا المرض مثل التلوث بالألومونيوم والزئبق والرصاص، خاصة بين الزوج والزوجة اللذين يأكلان من الأواني نفسها، فيبدو وكأن المرض انتقل من أحد الطرفين للآخر.
لكن الحقيقة العلمية تؤكد عكس ذلك وهو اشتراك عامل ثالث بينهما هو المسؤول عن تلك الإصابة خاصة أن الرصاص يترسب في الخلايا العصبية، كما تستخدم مادة الزئبق في حشو الأسنان الذي يتحلل مع مرور الوقت ويترسب في جدران الخلايا.
ويواصل حديثه.. مؤكدًا أن الزهايمر مرض مرتبط بخلايا المخ التي تنهار ويحدث لها نوع من التحوُّل فتندمل تلك الجروح ويحدث لها نوع من الندبة داخل المخ، لكن ما ذكرته الدراسة الأمريكية عن إمكانية انتقال المرض كعدوى بين الزوجين كلام ليس له أي أساس من الصحة ولا يفسَّر إلا بطريقة واحدة وهو التقليد وتعاطف أحد الطرفين مع الآخر ومع المريض نفسه حتى يشعر بالأعراض نفسها مثل المصاب الذي يشكو من الصداع أو المغص ويتألم فيشعر من حوله بالأعراض نفسها، وهذا ما يحدث في جميع الأمراض المرتبطة بالذاكرة خاصة إذا كانت المودة والعشرة بينهما تعود إلى زمن بعيد...
كيفية التعامل
وإذا كان المحيطون بمريض الزهايمر يعانون أكثر ما يعاني المريض فإن د. ماجدة فهمي، أستاذ الطب النفسي بجامعة قناة السويس، تطالب بتوفير أماكن مختلفة بهذا المرض لتعليم المحيطين به كيفية التعامل معه، ومساندة الزوج أو الزوجة حتى لا يتأثرون بالمريض ويعانون بالنوبات نفسها، علاوة على مساعدتهم في معاملة الحالات الخطرة منهم؛ نظرًا للتصرفات الطارئة التي يمكن أن يفعلها المصاب بالزهايمر وتكون خارجة عن إرادته، ورعايته رعاية طبية بحيث لا يضر نفسه.
وإعطاؤه الحنان والدفء الذي كان يشعر به قبل إصابته بهذا المرض على غرار ما كان يحدث مع أشهر مُصاب بالزهايمر في العالم وهو الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريجان»؛ حيث تم وضعه تحت الملاحظة المستمرة في إحدى المؤسسات الصحية في أمريكا قبل أن يتم التوصل إلى إمكانية انتقال المرض بين الأزواج.
