«استحوذ الخوف على الناظر ورجاله، فبثوا العيون في الأركان، وفتَّشوا المساكن والدكاكين، وفرضوا أقصى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصي للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب، تحمل الناس البغي في جَلَد، ولاذوا بالصبر واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا:

لابد للظلم من آخر ولليل من نهار، ولنَرَيَنَّ في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب»؛ كانت هذه المقطوعة الأخيرة في الرواية المختلف عليها «أولاد حارتنا» للأديب الراحل نجيب محفوظ، والتي أخذت حقها في النشر والانتشار بعد رحيله، ودفع ثمنا غاليا جراء نشر فصولها في العام 1950، لكن النشر توقَّف لاعتراض هيئات دينية على ما بالرواية من تجاوزات، لتُنشر الرواية في كتاب للمرة الاولى في لبنان في العام 1959. حيث تم تكفيره من قِبل البعض، وتعرض لمحاولة قتل من قِبل المتطرفين في العام 1994، حين اعتدى عليه شاب بسكين، وهو خارج من بيته بحي العجوزة، فأصابه في عنقه ويده.

ومن يومها حُرم الأديب العربي الوحيد الحائز على جائزة نوبل من النزول إلى الشارع إلا بحراسة أمنية، كما حُرم من الجلوس وسط الناس البسطاء على المقاهي الشعبية، عشقه الأول وملهمته الأثيرة.وهذه أربعة أعوام تمر على رحيل أديب نوبل، ففي 30 أغسطس من العام 2006 فارق نجيب الحياة حرافيشه تاركا وراءه رصيدا لا ينتهي من الإبداع الروائي، فلاتزال إبداعاته تلقى الرواج الأول في عالم الرواية، ولايزال الروائي العربي الوحيد الذي خلق أفقا للرواية العربية محلِّقا بها في سماء خاصة بعيدا عن الروح الغربية التي اتُّهمت بها الرواية الحديثة في عصر ما بعد محفوظ، الذي لم يتحدد له أي شكل إبداعي حتى لحظة كتابة هذه السطور.

رجل الساعة

وُلد بالقاهرة ولم يغادرها إلا لمرة واحدة بشكل إجباري بقرار من عبدالناصر لزيارة اليمن، حتى إنه لم يسافر لتسلُّم جائزة نوبل في حدث ربما لا يتكرر في العقود المقبلة بسهولة، وسُمّي فور ولادته المتعسِّرة باسم الطبيب الذي أشرف على ولادته وهو «نجيب باشا محفوظ».

ويقول نجيب في مذكراته التي سجلها مع الكاتب المصري الراحل «رجاء النقاش» إنه وإخوته وُلدوا وعاشوا على الانضباط والتنظيم في كل شيء، حتى إن الإخوة جميعا رحلوا عن الدنيا بترتيب ميلادهم نفسه، وبالتأكيد حافظ محفوظ على عهد الانضباط حتى في رحيله، ولا يغيب على كثيرين أنه عُرف بلقب «رجل الساعة»، حتى حين أرسل الخطاب الذي تم إلقاؤه في احتفالية نوبل بالسويد قال إنه لم يقدم شيئا كبيرا بل كل فعله أنه عمل باجتهاد وانضباط طيلة 50 عاما.

«يوجا» محفوظ

ويؤكد الأديب جمال الغيطاني أن محفوظ أحد الأدباء القلائل في العالم الذين اتضحت لديهم الرؤية الأعلى للحياة، وهذه الرؤية التي أشار إليها الغيطاني لا تعطي صورة كلية عن نجيب محفوظ الذي ظل لغزا لكثيرين ممن حوله، فلم يُعرف موقف الرجل من قضايا كثيرة؛ لأنه كان دبلوماسي الردود، حياديا لا يصطدم بشيء إلا من خلال سلاحه الأول والأخير الرواية، كما أن كثيرين استفسروا عن موقفه الديني.

حيث لم يره أحد يصلِّي، كما لم يسجل عليه أحد موقفا إلحاديا، وبعض المقربين منه أكدوا أنه كان يمارس رياضة «اليوجا» لما يقرب من نصف القرن، لكن محفوظ نفسه يشير، ولو من بعيد، إلى حقيقة شخصيته حين اعترف في مذكراته للنقاش أنه يقترب كثيرا من شخصية كمال عبدالجواد في عمله الضخم «الثلاثية»، الحالم العاشق المكسور الذي لم يتمكن من الارتباط بابنة الطبقة الأرستقراطية التي أوهمته أنها تميل إليه، لكنه قد فهم ذلك خطأً بوهم الحب.

وقد تعمّد محفوظ على ما يبدو أن يبتعد عن كتابة صدى لسيرته الذاتية، على الرغم من أنه قدم رواية باسم «أصداء السيرة الذاتية»، لكنها أبدا لم تُفصح عن نجيب محفوظ الإنسان كما يوهم الاسم، لكنها مواقف متفرقة كُتبت على شكل ومضات لامعة للكشف عن جوانب مختلفة من الحياة والناس والحكم، وقد ظهرت في شكل مختصر عذب صافٍ حتى إن كثيرا من النقاد يُحيلها إلى الشعر أكثر من النثر، وهذا استنادا إلى كلمة «أصداء»؛ حيث يلتقط محفوظ من الحياة ما تبقى من مواقفها، ولا يلتقط المواقف نفسها.

رد الحقوق

الغريب أن محفوظ الغامض الذي تم تكفيره ظلما كان متسامحا حتى مع من حاول قتله وأراد أن يعفو عنه إلا أن السلطات أصرت على معاقبته، وظل نجيب في حالة حزن على هذا الشاب الذي راح ضحية أفكار فاسدة، كما عاد المجتمع ليجيز نشر رواية «أولاد حارتنا»، إحدى روايات أربع فاز بسببها محفوظ بنوبل، في مصر للمرة الأولى في العام 2007 بعد منعها كالمخدرات من التداول، وهي الرواية التي تكرِّس لفكرة العدل، وأنه لا فرق بين الناس، وتنادي بعدم احتكار الثروات من فئة لتموت طوائف الشعب المختلفة تحت عجلة الفقر.

ولا ينفصل الحديث عن محفوظ عن الكلام عن قيم كبرى كالعدل والمساواة، ونقتطع كثيرا من كلمته أمام لجنة جائزة نوبل؛ حيث قال: «أرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم لكنها هي الفائز بالجائزة».. انظروا كيف يعطي نجيب محفوظ للغة العربية قداستها!، وانظروا كم كان حدث فوز نجيب بنوبل مفيدا في انتشار اللغة العربية وآدابها في العالم كله بعد تهافت الجميع على ترجمة أعماله.

يستكمل محفوظ لمحاته الإنسانية: «على الرغم من كل ما يجري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية، نحن في عصر القادة المسؤولين عن الكرة الأرضية أنقذوا المستعبدين في الجنوب الإفريقي! أنقذوا الجائعين في إفريقيا!

أنقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب! بل أنقذوا الإسرائيليين من تلويث تراثهم الروحي العظيم!» هكذا تعامل محفوظ حتى مع أعدائه، فكان مطبِّقا لمبادئ رواياته الباحثة عن إنسانية الإنسان مهما كانت طبائعه بغض النظر عن دينه، عنصره، أو جنسه.

جدير بالذكر أن محفوظ أثَّر في الشخصية المصرية بوضع إطار لها أو رمز مهما اختلف حوله، فشخصية «سي السيد» في «الثلاثية» باتت علامة على شخصية الرجل المصري في بيته، كذلك شخصية «أمينة» التي مثَّلت الأم المصرية بانكسارها ونشاطها، وكأن محفوظ ينحت شخصياته من الواقع ويدخلها كوثيقة إلى عالم الرواية شاهدة على العصر، وبعد أربعة أعوام على غياب محفوظ جسدا أو أربعين أو 400 عام سيظل الرجل شديد الحضور روحا وأدبا، وسيظل فكره وشخصياته علامة من علامات الفن المصري.

القاهرة - دار الإعلام العربية