النظر إلى هذه الدنيا بالعينين قد لا يجلب السعادة للإنسان على ما فيها من قيمة عظيمة، وهبها الله سبحانه وتعالى، لعباده، فهناك ما يفوق العينين أهمية، وهي بصيرة العقل، والفؤاد التي تعين الإنسان على خوض غمار هذه الدنيا، وتدخل الناس في قلبه وتدخله بحب الخير في قلوب الآخرين.

ففقد البصر معاناة في أي حال، وقد كانت فترات التخلف الماضية تعني فقد كل فرص العيش الكريم تقريبا، وبينما يجد المكفوفون قدرا كبيرا من الرعاية واحترام حقوقهم في الدول المتقدمة، فإنهم لا يزالون يعانون الكثير في بقية مناطق العالم، وبدرجات متفاوتة، وفي مجالات مختلفة، وعلى الرغم من العتمة التي يعاني منها الكفيف، إلا أن الكثير منهم قدموا أمثلة رائعة على ما يمكن للبصيرة أن تنجزه لتضيء دنيا الظلام ومن هذا المنطلق نظم «الحواس الخمس» ندوة «قلوب مُبصرة» بالتعاون مع جمعية الإمارات للمكفوفين بالشارقة، والتي يرأس مجلس إدارتها سمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حيث سلط الضوء على بعض الشخصيات التي قهرت الظلام فأبدعت وأنجزت، مركزا على تجاربهم في كيفية تجاوز الآلام والابتلاءات.

كما ناقش بعض أولياء الأمور في كيفية التعامل الصحيح والمثالي مع الابن المكفوف من وحي تجاربهم، كما خرجنا معهم بجملة من التوصيات التي نأمل تحررها من الورق لتصبح واقعا ملموسا يضمن لهذه الفئة الحياة الكريمة كغيرهم. تحيات وثناء نقل عادل الزمر، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للمكفوفين تحيات الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رئيس مجلس الإدارة، آملا أن يستمر هذا التعاون الإعلامي مع صحيفة البيان. وللزمر إسهامات كبيرة في الجمعية، إضافة إلى أعماله التطوعية مع الكثير من المنظمات الدولية المعنية بالمعوقين بصريا، وغيرها من الأعمال التطوعية كتحويل المصحف المطبوع بطريقة بريل إلى مصحف إلكتروني.

حيث يتمكن المكفوفون من قراءة المصحف عن طريق استخدام أجهزة المحمول الشخصية والأسطر الإلكترونية للمكفوفين، وقد استغرق العمل في هذا المشروع ثلاث سنوات، كما أسهم في تعريب بعض التقنيات الحديثة الخاصة بالمكفوفين مثل برنامج VIRGO الذي يعتبر أول برنامج يدعم اللغة العربية بطريقة برايل.

بوسهم ثقافة عالية وروح جميلة

خالد بوسهم، عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات للمكفوفين، ومعلم في مركز الفجيرة لتأهيل المعاقين، ويشرف أيضا على تعليم الطلبة المعاقين بصريا لغة برايل، تعرض بوسهم لحادث أفقده بصره، ودرس في جامعة الإمارات، وكان ضمن أول دفعة تقبل الجامعة أن ينضم كفيف للدراسة فيها. ويتميز بوسهم بثقافة عالية، وفن التواصل الاجتماعي، وبروح جميلة وحماس شديد لترك بصمة طيبة أينما حل.

السويدي طموح لا يحده حد

تخرج سعيد السويدي قبل أشهر في جامعة الشارقة ضمن تخصص الإعلام، مسار العلاقات العامة، وهنا يقول: على الرغم من فقداني البصر، إلا أن طموحي ورغبتي الجامحة أبت إلا أن أُحقق ما تصبو إليه نفسي، فطلب العلم أقوى من كل المستحيلات، كما أن الإرادة وقبل ذلك الثقة بالله، عز وجل، كانت السلاح الذي تغلبت به على إعاقتي بالمثابرة والجد، وأطمح فعلا في إكمال دراستي العليا وسأسعى جاهدا لتحقيق ذلك.

السري نموذج للمرأة المثابرة والمتميزة

لاقت تجربة الإعلامية والكاتبة فاطمة السري تفاعلا كبيرا من قِبل الحضور، لروحها المُفعمة بالإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره، في عام 2006 أُصيبت السري بالتهاب في أصبع رجلها اليمنى، وكانت رجلها مهددة بالبتر، إلا أنها قاومت المرض لإرادتها العالية، وأجرت ثلاث عمليات تنظيف لإصبع القدم، وبمجرد شفائها سافرت إلى ليبيا لاستلام جائزة المرأة العربية المتميزة في مجال المنظمات النسائية على مستوى العالم العربي.

وهي جائزة تمنح للسيدات المتميزات على مستوى الوطن العربي في مجالات متنوعة، ولإسهاماتها المجتمعية الإبداعية الواضحة تم انتخابها نائبا لرئيس مؤسسة المرأة العربية، وتحمد الله تعالى أن أكرمها أيضا بنعمة أداء فريضة الحج أيضا في هذا العام.

وتضيف السري: في مايو 2007 تعرضت عيني اليمنى لالتهاب أساسه رمد وانتقل للعين اليسرى، وذهبت إلى إيران للعلاج، وأثناء عودتي إلى دبي فقدت بصري، علما أني أجريت سبع عمليات إلى الآن، مشيرة إلى أنه في أول لحظة شعرت فيها بعدم قدرتها على النظر قالت وبثقة:

«اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها»، وللسري رصيد كبير من محبة الناس، فهي حريصة على تواصلها الاجتماعي، مؤكدة أن هموم وطنها تعتبر من الأولويات في حياتها، كما أنها بصدد إصدار كتابها الذي يحتضن سلسلة من مقالاتها المتنوعة الرائعة.

الحمادي إرادة تصنع المعجزات

شاء الله تعالى أن تلدها أمها بعد ستة أشهر ونصف الشهر من حملها فقط، لتخرج الصغيرة منار للحياة وهي تعاني من نقص النمو الذي انعكس سلباً على حاسة النظر لديها، فحُرمت من نعمة البصر بسبب عدم اكتمال اتصال أعصاب الشبكية ببعضها، وحرصت عائلتها ومنذ نعومة أظفارها على عرضها على أمهر الأطباء والاستشاريين من ذوي الخبرة، ألا أنهم اجمعوا جميعاً على انعدام الأمل في أن تبصر!

وعن تجربتها تقول منار: دخلت مركز تأهيل ورعاية المعاقين في دبي، ودرست من المرحلة التمهيدية حتى الأول الثانوي، وكانت المناهج الدراسية منظمة من قبل وزارة التربية والتعليم، ولكن على الطلبة المكفوفين ضرورة طباعتها بلغة برايل ليتسنى لهم الدراسة بسهولة، فتعلمت في غضون شهرين طريقة الطباعة ب«البرايل».

وتابعت مسيرتي الدراسية في القسم الأدبي في مدرسة فاطمة الزهراء الثانوية في الشارقة، وتخرجت منها بنسبة 86% أهلتني للحصول على مكرمة حاكم الشارقة للدراسة في جامعة الشارقة فدخلت كلية الآداب والعلوم تخصص علم الاجتماع، وتخرجت في عام 2004.

وبعد تخرجها عملت في جمعية الإمارات لرعاية المكفوفين، مسؤولة علاقات عامة، كما تدربت في مركز (تمكين) على استخدام جهاز الحاسوب مستعينة بالبرامج الناطقة، وكذلك تلقت دورات تقوية باللغة الإنجليزية، وعن طريق المركز توفرت لمنار فرصة عمل في الإدارة العامة لإقامة وشؤون الأجانب بدبي، بوظيفة منسق موارد بشرية، حيث تقوم بإصدار شهادات الراتب، والرد على الهاتف وتحويل المكالمات، وفي 2007 حصلت منار عبد القادر الحمادي على جائزة الأداء الحكومي المتميز عن فئة الجندي المجهول، تضيف:

كم تمنيت الحصول على هذه الجائزة، وعملت بإخلاص وبذل كل ما لدي من طاقات للوصول لهذا الجائزة واستحقاقها، مؤكدة أنه لم تكتمل سعادة حصولها بالجائزة إلا بتكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي لها. ومن جانب آخر للحمادي أنشطة مجتمعية لاسيما مع جمعية الإمارات لرعاية المكفوفين.

الحوسني تكريم يدفع إلى التميز

كما حصلت نجيبة حسن غريب الحوسني، موظفة في الإدارة العامة لإقامة وشؤون الأجانب بدبي على جائزة الأداء الحكومي المتميز، مشيرة إلى أن تكريمها يعتبر خير دافع لها على مواصلة التميز الوظيفي، وترى أن الشرف في التكريم يكمن في الوقوف من بين 26 موظفاً وموظفة وتكريمهم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

وتمكنت نجيبة الحوسني بفضل الله تعالى من تحقيق إنتاجية كبيرة من خلال مسماها الوظيفي فلقد تمكنت من إنجاز 1000 معاملة في اليوم، إضافة إلى أمور أخرى، وهي التزامي بمواعيد العمل الذي تؤديه بحرص ودقة، آملة إكمال دراستها العليا، وتحقيق الرقي الوظيفي، لاسيما أن التزامها وأداءها المهني لا يزالان ينالان إعجاب المسؤولين عنها في الإدارة.

الشارقة - جميلة إسماعيل