حين دخلنا المطعم أنا وصديقتي مصطحبين طفلتينا (أربع سنوات)، وما إن جلسنا حتى بادرت ابنة صديقتي صغيرة الحجم بطلب كرسي الأطفال، فهرع العامل وأحضر لها كرسي الأطفال وهو يبتسم، فطلبت ابنتي التي تبدو أكبر من عمرها بسبب ضخامة جسمها وطولها كرسي اطفال كذلك، لكن العامل رد عليها قائلا: لكنك كبيرة ولا تحتاجين كرسي أطفال، فطلبت منه بهدوء أن يحضر كرسي أطفال، لكنه ذهب ولم يعد، وناديت على عامل آخر طالبة منه كرسياً للأطفال، لكنه أجاب انها كبيرة ولا تحتاج الكرسي، فبدأت الطفلة بالبكاء، وكنت أحاول تهدئتها وهي تردد:

أنا صغيرة، حتى جاءت إحدى الموظفات لتتبرع بإقناع طفلتي بأنها كبيرة، فثارت ثائرتي وصرخت بهم لأنها بالفعل أصغر من صديقتها التي تمتعت بحق طلب كرسي الأطفال من دون أن يعترض أحد، وأمام صراخي في المطعم جاء كرسي الأطفال، بينما كانت الطفلة تسألني: ماما، أنا صغيرة أم كبيرة؟

تروي سؤدد الهاشمي «مهندسة» هذا الموقف بمرارة وهي تتحدث عن طرق تعامل الناس مع الأطفال ضخام البنية قائلة: للأسف الشديد هناك من لا يقدر حساسية الأطفال ويبدأ بالحكم عليهم وفرض آرائه من دون معرفتهم، فبعض الناس يقدر عمر الطفل على أساس حجمه ويطلب منه أن يتصرف على أساس هذا التقدير، فيضغط عليه ويؤثر في نفسيته من دون أن يدري.

وتقول سماح جميل «ربة بيت»: أنا أم وأعرف حاجة الطفل إلى أن يعيش عمره، وقد لاحظت إحدى بنات صديقاتي تتعرض للضغوط بسبب حجمها الكبير، لذا فهي لا تلعب كثيرا مع الأطفال في عمرها، وغالبا ما تعامل على أنها أكبر منهم، مع أنها طفلة رقيقة جدا وجميلة، وأنا أحبها جدا، وأتمنى ألا يضايقها أحد ويقول لها أنت كبيرة، فيأخذ من سنوات عمرها ويمنعها من متع الطفولة.

ويروي منذر نعيم قصته قائلا: ذكرياتي مع طفولتي لم تكن مريحة، فقد كنت دائما كبير الحجم وأبدو سابقا لعمري بسنتين أو أكثر، لذا كنت أتعرض للسخرية حين ألعب مع أقراني وهناك من ينهرني من الرجال لأنهم يعتقدون بأنني كبير وعليّ ألا ألعب مع من هم أصغر سنا مني، وقد كان بعض أصدقائي في المدرسة يرغبون بجعلي الفتى المدافع عنهم، ويدفعونني دفعا إلى العراك مع الآخرين، مع أنني كنت هادئا بطبعي ولا أحب المشاكل، لكن حجمي كان يجعل أصدقائي يضغطون علي لأكون البطل بينهم، وهو أمر كنت أكرهه جدا.

ويرى إياد فخري أن الطفل ضخم الحجم قد يكون قويا ومحترما بين أقرانه لكنه لا يحب تلك الحالة، فهو لا يستمتع بكونه طفلا طبيعيا يستطيع أن يلعب كما يريد، لذا نجده أحيانا يكون متنمرا وعدوانيا للتغطية على شعوره بأنه مضغوط نفسيا، وقد يضطر أحيانا إلى معايشة الكبار لتجنب السخرية حين يلعب مع أقرانه، وهي حالة لا يلتفت إليها المجتمع، مع أنها موجودة في حياتنا وحياة أطفالنا.

وتتناول الباحثة الاجتماعية سناء ياسين موضوع الطفل ضخم البنية قائلة: من الضروري قبل كل شيء التفريق بين الطفل ضخم البنية والطفل السمين؛ فهناك أطفال يعانون من السمنة الزائدة وهو أمر على الأهل معالجته من أجل الحفاظ على صحة الطفل، بينما الطفل ضخم البنية هو الذي يتمتع بجسد متناسق لكنه أطول وأضخم من أقرانه.

وهو طفل يمكن أن يفهم أهله احتياجاته ويعيش حياته بشكل طبيعي، لكن مواجهاته الحقيقية مع الحياة تبدأ مع دخوله المدرسة ووجودأطفال من حوله يبدأ هو نفسه مقارنة حجمه بأحجامهم، وقد يسعده أن يكون الطفل الضخم القوي الذي يحظى باعجاب أقرانه به، لكنه يصدم بأن هذا الاعجاب يحمله مسؤولية الدفاع عنهم والتصدي للأطفال المتنمرين، ويكون هذا العبء ثقيلا إن لم تكن للطفل رغبة بالقتال أو كان خائفا أو متردداً، إذ يمكن أن تنقلب الآية فيتعرض للضرب والاهانة أكثر من غيره لأن الأطفال المتنمرين يتفاخرون بقدرتهم على النيل منه.

وهذه واحدة من الحالات التي ينبغي أن تنتبه إليها إدارة المدرسة وكذلك يتابعها الأهل لكي لا يكون الطفل ضحية حجمه الذي يجعل الآخرين يحكمون عليه، وينبغي على الأهل تعزيز ثقة الطفل بنفسه بشكل يجعله قادرا على الرد على من يحاول أن يضعه في عمر أكبر من عمره، كما ينبغي أن يدرك الطفل عمره الحقيقي ليتمكن من مناقشة رغباته مع الآخرين الذين يربطون بين الحجم والعمر من دون أن يلتفتوا إلى مشاعر الطفل واحساسه، وكوننا لا نستطيع تغيير أحكام الناس بين يوم وليلة، فعلى الأهل المساهمة بحماية طفلهم ضخم البنية من أحكام المحيط وقوانينه غير العادلة.

دبي - دلال جويد