على الرغم من انتشار كباري الإسكندرية على امتداد طولها وعرضها، فإن كوبري ستانلي سيظل واحدا من الكباري التي يشتاق من يمر عليه مرة للعودة للمرور عليه مرة أخرى، قد يكون ذلك بسبب جمال تصميمه الأوروبي، الذي يتشابه مع تصميم قصر المنتزه الملكي، ما جعله في وقت قصير من عمر الزمن من معالم الإسكندرية البارزة التي مهما وصفناها؛ فلن تعطيها الكلمات حقها، بل تلعب الصورة الدور الأكبر في ذلك.

«الحواس الخمس» تصطحبكم في جولة مصورة حول هذا المعبر الذي تحول إلى متنفس للأسر بعدما لجأت إليه هروبا من غلاء أسعار الصيف.لم تكتف الإسكندرية يوما بما حباها الله به من جمال، وإنما أضافت إلى جمالها الكثير من المعالم الحديثة التي زادتها تألقا وسط مدن البحر الأبيض المتوسط، ومن أهم هذه المعالم كوبري ستانلي الذي تم إنشاؤه حديثا فوق خليج صغير على شاطئ الإسكندرية، وهو أول كوبري يقطع البحر المتوسط، ويقع في منطقة راقية تعرف ب«ستانلي»، وهي في حي شرق قبل فندق سان استيفانو الشهير.

ومن أشهر ما يميز تلك البقعة من شاطئ الإسكندرية هو ذلك الارتفاع الفريد للبقعة التي تقع قبالة الخليج مما سمح بإنشاء كبائن متدرجة فيها، وكلها تقع أسفل الطريق الذي يعلوها ما يجعلها تبدو كمنطقة جبلية متفردة في مظهرها عن باقي شواطئ المدينة. تم بناء الكوبري في عهد المحافظ السابق للإسكندرية عبد السلام المحجوب الذي اهتم كثيراً بتنظيم الطرق والقضاء على الاختناقات المرورية خصوصا في الصيف، وبالفعل حل ذلك الكوبري هذه المشكلة المرورية، فقد تم إنشاء الكوبري باتجاه واحد موازٍ لطريق الكورنيش بطول لا يتعدى الأربعمائة متر وبعرض واحد وعشرون متراً وتم افتتاحه عام 2001م.

تصميم منفرد

قد يتحير القارئ لماذا هذه الأهمية الكبيرة لكوبري حديث ليست له خلفية تاريخية كبيرة كما هي عادة الأشياء في مصر؟ والإجابة تكمن في جمال تصميم الكوبري؛ فهو بالفعل كوبري صغير مقارنة بالكثير من الكباري العملاقة التي تعم أرجاء مصر، ولكنه الوحيد المتفرد بذلك التصميم الأوروبي، وزاد من جمال التصميم تلك الإضاءة الرائعة التي تمت إنارته بها ليصير الكوبري ليلاً مقصداً للعائلات التي اعتبرته فسحة مجانية ممتعة للعين.

منظر الكوبري وهو مضاء ليلاً يعد المكان المثالي لالتقاط الصورة التذكارية، فالبحر من حولك والأجواء الملكية تحيط بك وإذا أردت أن تخرج الزيارة عن مجانيتها فهناك الكثير من الكافيهات التي انتشرت وانتعشت بعد بناء الكوبري حتى إن بعضها أصبح متعدد الطوابق من كثرة الإقبال عليه، وذلك بسبب إطلالتها الفريدة على البحر وعلى الكوبري.

وفي الصيف ترتفع درجة حرارة الاستعداد لاستقبال زوار المدينة، فيعاد رصف الطرق وتغرس الأشجار وتزين بالأنوار، وبالنسبة للكوبري يتم عمل صيانة دورية له، تتمثل كما قال الأستاذ أحمد مهنا، رئيس لجنة النقل بالمحافظة، في الرصف وتغيير الفواصل المعدنية لتجنب حدوث أي تشققات بالكوبري، خصوصا أن الكوبري يحتاج إلى صيانة خاصة ومستمرة بسبب وجوده داخل البحر، وما تسببه الملوحة ونسبة الرطوبة من أضرار لجسم الكوبري، كذلك ارتفاع عدد الزائرين للكوبري خصوصا في فصل الصيف بشكل كبير.

وهكذا وفي فترة وجيزة أصبح الكوبري مكونا أساسيا من مكونات الدعاية لمدينة الإسكندرية، ولا يخلو أي إعلان أو شعار يعبر عن المدينة من وجود الكوبري عليه، كما لجأ إليه الفنانون لتصوير الكثير من الكليبات الغنائية والإعلانات والأفلام الوثائقية والسينمائية، ومن أشهرها فيلم «صايع بحر» للفنان أحمد حلمي.

سان جيوفاني

ومن المواقع المهمة التي تأثرت نوعا ما بالكوبري فندق سان جيوفاني الشهير، والفندق بناه شخص يوناني يدعى بنايوتي، كان يقيم في الإسكندرية عام 1939 وهو مكون من 3 طوابق تحتوي على 32 غرفة و10 أجنحة، أحدها ملكي، وتطل على مياه البحر الزرقاء، واشتراه مالكه المصري الحالي عام 1971 وعند البدء في بناء كوبري ستانلي، قررت محافظة الإسكندرية هدم الفندق لضم مساحته إلى الكوبري، إلا أن حملة كبرى قادها عدد كبير من المثقفين والمهتمين بالتاريخ السكندري تصدت للقرار ونجحت في إلغائه لتقتصر الإزالة على أحد المطبخين الخاصين بالفندق الذي كان يقطع الكوبري، ليبقي الفندق شامخاً في مكانه.

أما لماذا هذا الاهتمام من النخبة المثقفة بهذا الفندق على الرغم من صغر مساحته مقارنة بالكثير من الفنادق الأخرى فلأنه إضافة إلى مشهد البحر الساحر الذي يقف على عتباته فإنه يمتاز بتاريخ عريق تستنشق عبقه بمجرد أن تدلف إلى الفندق فهناك قائمة لمشاهير العالم الذين زاروا سان جيوفاني أو أقاموا به مثل الملك الحسين، عاهل الأردن الراحل، وزوجته الملكة نور.

والرئيس المصري الراحل أنور السادات وأسرته، والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي، والفنان العالمي عمر الشريف، والعالم المصري الحائز على جائزة نوبل أحمد زويل، والأديب العالمي الحائز على نوبل أيضاً نجيب محفوظ، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، والفنان الراحل صلاح ذو الفقار، والكاتب الشهير أنيس منصور وطبيب القلب العالمي مجدي يعقوب، وشاعر الشباب الشاعر الراحل أحمد رامي، الذي كتب قصيدة خاصة للفندق عام 1977 وحرصت إدارة الفندق على طبع القصيدة على قوائم الطعام في الفندق، ويقول جزء منها:

قضينا ساعة في سان جيوفاني، رأينا الحسن في أحلى التمني. طعام سائغ ونسيم بحر، يهب بموجه حلو التغني. وقوم حولنا فيهم جمال، يفوق في النظافة كل حسن.

كما وضعت صور لمشاهير العالم الذين زاروا الفندق على مدار تاريخه، على جدران مطعم الفندق، وإلى جوارها نجد صورا لبعض اللقطات من الأفلام السينمائية القديمة.

وبخلاف الخدمة الفندقية التي اشتهر بها نجد المنظر الساحر للبحر المتوسط من خلال الواجهة الزجاجية للمطعم الذي يقع في الطابق الأرضي والذي اشتهر بأطباقه الإيطالية المميزة، ويطل مباشرة على المياه دون فواصل، وقد أضافت إضاءة أعمدة كوبري ستانلي الكثير للفندق وكأنها تعوضه عما أصابه أثناء بناء الكوبري.

يجب أن نشير وقبل أن نغادر منطقة كوبري ستانلي وفندق سان جيوفاني إلى الجدارية التي تزين الفندق من الخارج، وتمثل عالم تحت البحار، فهي خلفية رائعة لالتقاط الصور، خصوصا ليلاً، حيث تشكل إضاءتها الليلية منظراً ساحراً لعشاق المكان.

القاهرة - دار الإعلام العربية