يعتبر جورج بالانشين الرائد الأوّل في عالم فنّ الباليه المُعاصر، حيث يعرف الأسلوب الذي قام بتطويره بالباليه الكلاسيكيّ المعاصر، والذي يعتمد على أسلوبٍ حركيٍّ جديد، وأزياء اكثر عمليّةً، كاستبدال التنّورة المنتفخة بما هو واسع أو ضيّقٌ في بعض الأحيان.

ومن أكثر الراقصين الذين عملوا جنباً إلى جنب مع بالانشين، واستلهموا من فنّه أهمّ جوانب الكلاسيكيّة الجديدة، ميخايل باريشنيكوف، مدير مسرح الباليه الأميركيّ منذ العام 1980. الذي عمل بدوره مع مجموعةٍ من أهمّ وألمع مصمّمي الرقصات في العالم، ومن أهمّهم نذكر توايلا ثارب.وعلى الرغم من هذا التطوّر المميّز، إلا أن الجيل الجديد من راقصي الباليه، لا يقصّر في سعيه لفك ارتباط هذا الجنس من الفنون بالتقليديّة، والبحث عن مصادر إلهام جديدة تتّصف بالحداثة والديناميكيّة، تحوّل الباليه إلى ذلك الفنّ الشائع والمألوف. ومن هؤلاء الراقصين، ستيفين ماكراي، العامل مع باليه لندن الملكيّة، والذي شاركها جولتها الأخيرة في مدينة طوكيو، والذي يُعتبر أملا جديداً في عالم الباليه، على المستوى العالميّ.

وخلال السنة السابقة، شهد العالم كلّه لماكراي بأنّه الراقص الأساسيّ في باليه لندن الملكيّة، إلا أن هذا اللقب ليس مسعاه، ولا يهمّه بقدر ما يهتمّ بتغيير النظرة السائدة عن الباليه كفنّ، وأسلوب من أساليب الرقص التعبيريّ.

من أهمّ المشاريع التي يسعى ماكراي لإدخالها، أو توسيع انتشارها في الباليه، التعاون مع دور الأزياء العالميّة لخلق تناغمٍ بين الموضة والرقص التعبيريّ. وباكورة عمله كانت مع دار «بول سميث»، التي صوّرت راقصي الباليه الملكيّة لتقدّم صورهم في معرضٍّ فنّي في سبتمبر المُقبل، كما أنّها استعانت بماكراي في حملتها التسويقيّة لمنتجاتها في اليابان، ويقول ماكراي عن هذا التعاون:

أودّ أن أغيّر نظرة العالم عن الباليه، فهو لم يعد ذلك الفنّ المدجّج بالتفاصيل، والمُتاح فقط لفئة النخبة في المجتمع، بل إنّه بات حديثاً وإبداعيّاً، يتماشى مع حياتنا اليوميّة، والنّاس سيتفاجؤون بحقّ لو أتيحت لهم الفرصة كي يكونوا معنا ويشاهدوا ما نقوم به.

يجدر بنا ذكر أن مبادرة مزج الموضة بالباليه لم تسبق عهد ماكراي بعقود، فكوكو شانيل في عشرينيات القرن الفائت صمّمت أزياء «باليه روس»، وتُعتبر تلك التصاميم أكثر ما قدّمته المصمّمة الفرنسيّة، وبعد ذلك تكرّرت الفكرة من الدار ذاتها، وإنّما بتوقيع كارل لاغرفيلد، الذي صمّم التنانير المنتفخة للباليه البريطانيّة الوطنيّة، وبعد ذلك نارسيسيو رودريغز الذي صمّم ملابس لباليه نيويورك بالتعاون مع مصمّم رقصاتها كريستوفر ويلدون.

وريادة ماكراي في هذا المجال، تتّسم بمحاولاته لتوسيع هذه التجربة والعمل عليها كي تشمل مجالات تصميم أزياء الراقصين وإقامة معارض مشتركة، إضافة إلى المشاركة بالحملات الإعلانيّة لدور الأزياء الشهيرة.

تميّز ستيفن في رقص الباليه كان ظاهراً منذ انضمامه إلى كليّة «بري دو لوزان» السويسريّة بعد حصوله على منحة دراسيّة، ليجد نفسه بعض ذلك طالباً في مدرسة الباليه الملكيّ في لندن، والتي قرّرت أن تحتفظ به فقط مع اثنين من أصدقائه ضمن مجموعة زاد عدد أفرادها على الثلاثين.

وبراعته، وتفوّقه هذا لا تحدّدهما أسوار مدرسة الباليه، فالتعاون مع «بول سميث» هو واحدةٌ من بنات أفكاره، طرأت على باله أثناء تسوّقه في شارع «فلورال» بالقرب من المبنى الرئيسيّ لباليه لندن الملكيّة.

وفي حديثه عن تسلسل الأفكار الذي أدى إلى هذا التعاون يؤكّد ماكراي: أثناء وجودي في المتجر، شعرت برغبة لخلق انسجام بين أزياء بول سميث وما أقدّمه، خصوصاً أن باليه لندن الملكيّة وبول سميث هما رمزان بريطانيّان على المستوى الرفيع، إضافة إلى تجاورهما في حيّ «كوفنت غاردن» الشهير، وتطابقهما في الكثير من النواحي، كالانتشار وحبّ البريطانيين لهما وغير ذلك.

ويضيف: بول سميث والباليه لندن الملكيّة مكرّسان لخلق جماليّاتٍ يستمتع الناظر بمشاهدتها، فهما من عالمين مختلفين، إلا أنّهما كمرآتين تعكِسان بعضهما البعض في السعي نحو عالم مثاليّ، وفضاءات التعاون بينهما غير محدودة.

في نهاية الحديث، ومع سهولة تحقيق الشهرة في عالمنا الذي يصفّق لمجموعة من الأشخاص يعيشون حياتهم بطبيعيّة في تلفزيون الواقع، لابدّ لنا من أن نعطي لذلك الفنّ الراقي حقّه، والفرصة في إعادة تقديم نفسه بالإطار الجديد. فمشروع ماكراي، لابدّ سيحوّل الباليه إلى أسلوب تواصل يرى فيه المشاهد نفسه، وتكون الرسالة المنقولة عبره واضحة المعالم.

دبي - علي محيي الدين