يعترف العاملون في الدراما التلفزيونية الإماراتية أن هناك إجحافا بقضية التراث التي تتناولها الأعمال المنتجة محليا، لدرجة يكاد فيه العمل التراثي يلبس لبوسا متغيرا لقصة حياتية معاصرة، تدور في خلد الكاتب فيلحقها بزمن سابق كي يقال عن العمل الدرامي عملا تراثيا.
وهذا ما يؤكده الفنان عبد الله صالح الذي يشير في حديثه مع «الحواس الخمس» إلى ضعف المادة التراثية في الدراما التلفزيونية عموما، إذ إن التراث من وجهة نظره حافل بالكثير من القضايا التي لا تعرفها الأجيال الحالية.وبدلا من ان يقوم الكتاب بتزويد هذا الجيل بمعلومات إضافية عما يجهلونه ينسجون قصصا من الواقع، ويهربون بها إلى التراث، وهذا بحال من الأحوال لا يمكن أن يندرج ضمن ما نسميه الدراما التراثية، كما يقول، بل على العكس ما يقدم في معظمه أعمال واقعية هاربة إلى الخمسينات والأربعينات.
وربما غياب الكاتب الدرامي المحترف والعارف بالتراث قد جعل من هذه المادة تغيب عن الشاشات الوطنية، الأمر الذي يؤكده المخرج الفنان حسن رجب الذي كان بطلا لمسلسل «هديل الليل» في الموسم الرمضاني الماضي، وهو العمل الذي قدم ضمن تصنيف العمل التراثي على شاشة سما دبي. حيث أشار حسن إلى أن العمل التراثي سينجح حتما في حال قدمت له عناصر درامية وإنتاجية جيدة، منبها أن الأعمال الخليجية عموما وليس الإماراتية فقط تفتقد للبعد التراثي والمعالجة الدرامية الدقيقة للتراث فيها، وصارت الأعمال التراثية مشجبا تعلق عليه قضايا الواقع بتفاصيله الكثيرة، وبحالاتها الكوميدية والتراجيدية.
وألمح حسن رجب إلى أن الأعمال التراثية التي يجوز إطلاق هذه التسمية عليها تعالج فترة الغوص والبيئة البحرية لمنطقة الخليج أو الإمارات، لافتا إلى أن التراث لا يعني فقط الجانب البحري، بل هناك مناطق جبلية وصحراوية ضمن الحيز الجغرافي الذي سكن فيه إنسان المنطقة.
ويرى حسن أن المشكلة الأساسية بالموضوعات التراثية في الدراما الخليجية تفتقد للكاتب المحترف بالدرجة الأولى العارف بالمنطقة وبتفاصيلها ومفرداتها؛ فالأمر غير قليل، ويحتاج إلى الكثير من البحث والاطلاع والمعرفة والدخول في مسميات ربما كانت غائبة عن كثيرين، وأمام عجز الكتاب أو غيابهم بالأحرى، هناك إشارات استفهام تُرسم حول جدوى وشكل الأعمال التراثية التي تقدم على الشاشات الخليجية.
وتعتبر رزيقة الطارش قاسما مشتركا في الكثير من الأعمال التي قدمت تحت صيغة التراثية، وهي إضافة إلى مشاركاتها الدرامية تعتبر مرجعا في البرامج التراثية التي قدمت عبر تلفزيونات مؤسسة دبي للإعلام، نظرا إلى خبرتها وباعها الطويلة في التجربة الفنية.
وهي ترى أن الجانب التراثي في الأعمال الدرامية يجب أن تتم تغذيته من منابع الشباب وكبار العمر، نظرا إلى ان هناك كنوزا مخفية غير معلن عنها في ذاكرة كبار السن الذين مالت لتسميتهم بالكتب القديمة الحافلة بالمعلومات والقصص القيمة ووجود هذه المرجعيات الكبيرة والمهمة سيكون دعما ويشكل مرجعية لها مصداقية للدراما الوطنية.
وترى رزيقة أن الدراما الإماراتية ربما اجتهدت أكثر من غيرها من الدراما الخليجية لتقديم أنماط تراثية قريبة مما كان موجودا، ويحسب لها هذا الاجتهاد، وحسب تعبيرها؛ فان المستقبل يحمل إشارات ايجابية في تقديم أعمال تراثية كثيرة ومتميزة.
من جهته يعتبر الفنان عارف الطويل، أحد المخرجين الذين قدموا دراما إماراتية لها علاقة بالتراث سواء من خلال بعض اللوحات التي حفل بها مسلسل «حاير طاير» من تأليف الكاتب جمال سالم، الذي قدم له عارف أيضا مسلسل «حظ يا نصيب»، الذي ينتمي للشكل التراثي، أو من خلال مسلسل «دروب المطايا»، تأليف الكاتب سلطان النيادي.
وهذا العمل أنجزه الكاتب سلطان النيادي ليكون تراثيا بالكامل، وتم إنجازه لصالح رمضان الماضي، وهنا أكد عارف الطويل أن الإمارات دونا عن غيرها من دول الخليج العربي مهتمة اهتماما لافتا بتقدم تجارب درامية، فيها ملامح تراثية مستبعدا أن تكون تلك التجارب سياحية، او ترفيهية، بل على العكس التراث في مسلسل «حظ يانصيب»، كان ظاهرا، ولو من خلال الكوميديا وقد راعى العمل فنيا الانتماء للتراث بكل تفاصيله.
إضافة إلى أن «دروب المطايا» تم الاشتغال عليه بروح التراث والتاريخ الذي ينتمي لمرحلة الثلاثينات من القرن الماضي مشيدا بالجهد الكبير الذي بذله الكاتب النيادي والتفاصيل الكثيرة التي اهتم بنقلها للشاشة الصغيرة والمرجعيات التي ظهر الاجتهاد على تقديمها تقديما درامية مشبعا بروح التراث.
وأشار الطويل إلى ان الاختلاف في تقديم التراث هو اختلاف بالتجارب بالدرجة الأولى، وبشكل التقديم والقراءات الفنية والفكرية للتراث، نافيا أن تكون هناك تجارب مفبركة، بل ربما هي غير ناضجة على المستوى الخليجي.


