اكتسبت منطقة «دوز» /500 كلم جنوب العاصمة تونس/ في السنوات الأخيرة، شهرة عالمية بعد أن تحولت إلى قبلة لمخرجين سينمائيين عالميين صوروا فيها أفلامهم؛ ففي هذه الواحة الصحراوية صوّر المخرج الايطالي روبرتو بينيني شريط «النمر والثلج»، والمخرج الكندي كيم نغيبان فيلم «مدينة الظلال»، كما استخدمها المخرج الأميركي جورج لوكاس لتصوير لقطات من شريطه الضخم «حرب النجوم».

وتضاف إلى هذه العناوين قائمة من الأعمال السينمائية المتميزة أبرزها «المريض الإنجليزي» للمخرج البريطاني أنتوني منغيلاو و«العيش في الجنة» و«السماء تحت الصحراء» و«الوليمة» و«ممكن» الذي قام ببطولته جون بول بولمندو.وتسعى تونس إلى مزيد التعريف بهذه الوجهة التي تختزل كثيرا من الخصوصيات الثقافية والطبيعية للجنوب التونسي بهدف الترويج لصناعة السياحة الصحراوية في البلاد.ومن أجل ذلك تنظم وزارتا السياحة والثقافة التونسية سنويا «المهرجان الدولي للصحراء بدوز»، وهو واحد من أضخم مهرجانات الصحراء في المنطقة العربية والعالم يجتذب في كل دورة جماهير متزايدة من مختلف القارات.

والسياحة الصحراوية نشاط شتوي ينطلق مع بداية فصل الخريف وينتهي بقدوم فصل الربيع ويمارس بمناطق الجنوب التونسي الصحراوية التي تخطف خلال هذه الفترة من العام أنظار السياح الوافدين على البلاد. انتبه مرور جمال على طول الطريق البري نحو دوز، تحذر علامات كبيرة زرقاء وبيضاء اللون قوافل السيارات السياحية المتجهة نحو المنطقة من التصادم بالجمال والنوق الطليقة التي تقتات من كلأ الصحراء، والتي قد تباغتهم بقطع الطريق أمامهم في غفلة منهم. وكثيرا ما تتوقّف قوافل السيارات السياحية (التي تسير غالبا بسرعة كبيرة جدا لاختصار الزّمن وتقريب المسافات) لالتقاط الأنفاس وأخذ صور تذكارية للجمال والنوق المنتشرة على جانبي الطريق.

«دوز» بوابة الصحراء

لأنّها آخر مدينة تفتح على الصّحراء التّونسية الكبرى يطلق التّونسيون على «دوز» اسم «بوابة الصحراء».

والصّحراء التونسية جزء من الصحراء الإفريقية الكبرى التي تبلغ مساحتها تسعة ملايين كيلومتر مربع.

وتتبع دوز إداريا محافظة قبلّي /500 كلم جنوب العاصمة تونس، التي تتاخم حدودها أربع محافظات تونسية جنوبية أخرى هي توزر وقابس وتطاوين ومدنين إلى جانب الحدود الجزائرية. وتتميز المنطقة بمناخ صحراوي حار وجاف.

دوز عاصمة المرازيق

المرازيق هم سكان دوز الأصليّون، ويبلغ تعدادهم اليوم حوالي 40 ألف نسمة.

ويقول مؤرخون إن المرازيق ينحدرون من قبيلة بني سليم بالجزيرة العربية وأنهم استقروا بدوز مع زحف قبيلة بني هلال على إفريقية (الاسم العربي القديم للبلاد التونسية) التي كان يسكنها البربر.

ويشتهر المرازيق بمحافظتهم على الصفات العربية الأصيلة كالشهامة والجود والكرم وإيثار الضيف والشجاعة والحلم وحب الشعر والأدب.وقد حافظ الغزاة العرب على اسم المدينة البربري (دوز) والذي يعني الربوة الخضراء.

واحة دوز الربوة الخضراء

توجد في دوز واحدة من أكبر واحات النخيل في تونس، تجري من تحتها عيون المياه العذبة. وتعد الواحة حوالي 200 ألف نخلة ينتج أغلبها دقلة النور، وهي من أجود أنواع التمور في العالم. وقد دفعت الواحة وعيون الماء العذب العرب الأوائل إلى الاستقرار منذ سنة 671 ميلادية بالمنطقة حيث تعاطوا الفلاحة ووجدوا مراعي لإبلهم.

وتعيش حول واحات دوز أنواع مختلفة من الحيوانات الصحراوية مثل الجمال والغزلان البيضاء وأنواع نادرة من الظباء والثعالب والأرانب البرية والطيور، وتنتشر بشوارع مدينة دوز الرئيسية مجسمات لبعض هذه الحيوانات (الجمال والغزلان.

وكانت المدينة على مرّ العصور محطة عبور القوافل التجارية القادمة من المشرق والمغرب والرحالة والغزاة والفاتحين. ومن بين التجارة التي يتعاطاها أهالي دوز اليوم بيع التمور وخاصة من نوعيّة دقلة النور.

المهرجان الدولي للصحراء بدوز

يحظى هذا المهرجان، الذي يمثّل ذروة الترويج للسياحة الصحراوية التونسية، باهتمام إعلامي دولي متزايد إذ غطى دورته الأخيرة المنعقدة من 25 إلى 28 ديسمبر الماضي نحو 100 وسيلة إعلام.

كما يجتذب عشرات الآلاف من التونسيين والسياح الغربيين الذين يهربون في مثل هذه الفترة من برد الشتاء القارس في بلدانهم للاستمتاع بدفء الصحراء التونسية واكتشاف عادات وتقاليد أهلها.

وكان الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار بالمملكة العربية السعودية ضيف شرف الدورة الأخيرة من المهرجان. وقد رافقه إلى دوز أعضاء لجنة تنظيم مهرجان تراث الصحراء بمنطقة حائل السعودية الذي ستقام دورته الثانية في إجازة منتصف الفصل الدراسي الثاني بالمملكة.

وقد أشاد المسؤول السعودي في تصريحات صحفية بمهرجان دوز الذي قال إنه يبرز المقومات السياحية الفريدة للمناطق الصحراوية، معلنا عزم المملكة على الاستفادة من التجربة التونسية الرائدة في تنظيم مهرجانات الصحراء.

تاريخ المهرجان

انتظمت أولى دورات المهرجان، وهو أقدم المهرجانات التونسية، عام 1910 بإشراف المقيم العام الفرنسي في تونس عندما كانت البلاد مستعمرة فرنسية. وكانت هذه التظاهرة الثقافية والترفيهية تسمى وقتئذ ب«عيد الجمل» وتقتصر على تنظيم «سباق المهاري» .

وهي نوق السباق المعروفة باسم «الهجن» في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى بعض الألعاب الشعبية المستلهمة من عادات وتقاليد المرازيق. ويكافأ الفائز في سباق المهاري ب«مهري» (ناقة) أو «فحل» (جمل). وخلال سنوات الحربين العالميتين الأولى والثانية انقطع تنظيم «عيد الجمل».

وفي عام 1967 (أي بعد 11 سنة من استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي عام 1956) افتتح الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الدورة الأولى من «مهرجان دوز» في عهد تونس المستقلة وهو ينتظم منذ ذلك التاريخ بشكل منتظم.

ساحة حنيش

تبدأ عروض مهرجان الصحراء الدولي وسط المدينة بلوحات فلكلورية راقصة تقدمها فرق الفنون الشعبية القادمة من عدة دول عربية وبمعرض للصناعات الحرفية التقليدية التي تميز الجهة ثم تنتقل الجماهير إلى ساحة حنيش التي تبلغ مساحتها 15 هكتارا والواقعة على أطراف المدينة.

وتتحول الساحة أيام المهرجان إلى مسرح كبير في الهواء الطلق. وفي الدورة الأخيرة من التظاهرة جسّد عليها أكثر من 1500 شخص مختلف عروض المهرجان وفقراته التي تروي تفاصيل عن حياة وثقافة الصحراء ونمط عيش المرازيق من لباس وطبخ وحلي وأعراس وصيد ورياضة وترفيه. وقد استمرت العروض أربعة أيام واستقطبت يوميا نحو 75 ألف متفرّج من مختلف الجنسيات.

عكاظيات شعرية

يتميز المرازيق بقدرة لافتة على نظم أشعار من وحي اللحظة. ولا يكاد منزل في دوز يخلو من قائل للشّعر أو حافظ له. فقد نشأ أبناء هذه القبيلة على قول الشعر الشعبي وترديده. وغالبا ما تستمد الأشعار المرزوقية أغراضها وصورها من الحياة الصحراوية.

«الحواس الخمس» ـ «د ب أ»