«حليم، عبد الناصر، أم كلثوم، بوابة الحلواني»، وغيرها من عشرات الأعمال السينمائية والدرامية التي يقف وراءها الكاتب محفوظ عبد الرحمن، ذلك الكاتب الذي يكتب ولا نحس به إلا من خلال صوت حشرجة الورق وهو يضعه أمام المنتج، لكنه في الوقت ذاته له الكثير من الآراء الجريئة في مسار السينما والدراما وكثير من الأفكار الكامنة في عقلية هذا الرجل الذي تم تكريمه كواحد من عمالقة الكتاب بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء التليفزيون.. وعلى هامش هذا التكريم كانت هذه الدردشة الفنية معه..
بعد تكريمك في التليفزيون ورصيدك الهائل والكبير من الأعمال التي أثرت الساحة الفنية.. هل عادت بك الذاكرة إلى الوراء وأنت تدخل هذا العالم العريض؟بالتأكيد ولكن ليس بهذه المناسبة فقط بل في كثير من الأحيان أراجع مسيرتي من البداية وحتى الآن، خاصة عندما التقاني المخرج إبراهيم الصحن الذي يعد من المخرجين الذين لعبوا دوراً مهما في تطوير الدراما المصرية والعربية وطلب مني كتابة سهرات درامية، ووقتها كنت أركز على كتابة القصة القصيرة واستطعت من خلال هذه الدعوة والتشجيع من إبراهيم الصحن أن أقدم للتليفزيون حوالي 61 سهرة، ومنها كانت الانطلاقة في مجالات الكتابة للتليفزيون والسينما والمسرح.
العمل التاريخي
ولكن اسمك ارتبط بشكل كبير بالدراما التاريخية!
أنا مهتم بهذه الدراما فهي تقوم على البحث والدراسة للشخصية، وأذكر أن تجربتي ونجاحي في تقديم مسلسل عن شخصية عبد الله النديم عام 1971 رسخا أقدامي في هذا النوع من الأعمال، ومنها بدأت الإعداد لتقديم شخصيات لها دور بارز في تاريخ مصر أو الوطن العربي، وكان تركيزي الأول على شخصيات أحس بأهميتها وضرورة تقديمها في هذا العصر الذي يحتاج فيه أبناؤنا الذين لم يعاصروا تلك الشخصيات أن يعرفوها جيداً.
الدراما التليفزيونية اليوم أصبحت محل اهتمام كبير من الجمهور العربي خاصة في ظل تزايد القنوات الفضائية؟
نعم زاد الكم وزادت إيرادات المنتجين، ولكن الدراما دخلت في نفق طويل لم تستطع الخروج منه بتركيزها على العشوائيات والألفاظ النابية والسوقية ولم يعد الحوار في الأعمال الدرامية كما كان، فيه مراعاة للأسر والأطفال.
ناصية الكتابة
في المجالات الثلاثة «السينما، الدراما، المسرح» لم يحظ الأخير إلا بعدد قليل من كتاباتك؟
أنا أحب المسرح وأعشقه مثل كل الناس، ولكن المسرح مجال طارد، وما قدمته لا يزيد على 12 عملاً، فأنا بطبعي لا أميل للصراعات ليس لأنني أخشاها ولكن لأنها تأخذ منك أهم شيئين هما الوقت والتفكير، فأنا أفضل أن أجد الوقت لأكسب وأقرأ وأمارس حياتي العامة والخاصة بهدوء وأفكر فيما ينفعني وينفع الناس.
نعود للتاريخ.. هل يميل تفكيرك للأعمال التاريخية أكثر من الدراما الاجتماعية؟
الكاتب أو المؤلف عادة ما يكتب الدراما عامة، وإذا وجد في التاريخ ما يستدعي تقديمه وهو مؤلف يمتلك ناصية الكتابة يقدم الشخصية التاريخية ويصورها جيداً ويتناولها بأمانة تامة، لأن ما يقدم من أعمال تاريخية يعني التوثيق وتصبح مسئوليتي كبيرة جداً في هذه الحالة، ولذلك أقوم بدراسة عريضة للوصول إلى كل خبايا الشخصية ودورها وأهميتها حتى أقدمها كما يجب.
هل عندما يكتب المؤلف عن شخصية يحرص على تجميلها لأنها في أغلب الأحيان تستهويه؟
بالعكس المتلقي يريد أن يتعرف على الشخصية بتفاصيلها وبمنتهى الأمانة، وإذا اعتبرنا ما نكتبه عن الشخصيات التاريخية توثيقا لأجيال متعاقبة فلابد أن نضع الشخصية في إطارها الصحيح، وهذا يحتاج من الكاتب لجهد خارق من بحث ودراسة كبيرة وعميقة عن كل ظروف الشخصية.
وفي كثير من الأحيان يمكن أن نجد شخصية منهم كانت مظلومة لأن البعض وضعها في إطار مختلف انطلاقا من نزعات شخصية أو اختلاف في التوجهات، والعكس صحيح يمكن وضعها في إطار سلبي، وهي لها جوانب إيجابية، وهذا ما يجعلني أحرص على التجرد والأمانة في تناولي لها، لأن هذا النوع من الدراما يتطلب من الكاتب أن يتجرد عند كتابة تاريخ الشخصية.
انتقادات درامية
هذا يقودني لسؤال.. هل يمكن للباحث أو الكاتب عندما يبحث داخل الشخصية وما حولها يمكن أن يكتشف المثير الذي لم ينشر ولا يعرفه إلا المقربون من الشخصية؟
ليس في التاريخ فقط حتى في حياتنا اليومية يقال لك إذا لم تعاشر الإنسان يصعب الحكم عليه.. وفي التاريخ يأتي البحث من خلال كل ما كتب عن الشخصية وفي مراحل مختلفة في حياتها من معاصرين أو مقربين منها، وغالبا تجد كلا من كتب عنها تناولها وفق رؤيته، وأحيانا تختلف الرؤى التحليلية لبعض مواقف الشخصية أو سلوكياتها، ولكن الباحث اليوم يجد أمامه تاريخا عريضا ويستطيع أن يقيم الوضع جيداً ويأخذ ما هو موثق وثابت حتى يلخص هذا التاريخ في كتاب أو مسلسل أو فيلم سينمائي يكون قد عرض خلاله أهم ما في حياة هذه الشخصية وكثيراً ما تجد بالبحث الجيد ما هو أهم ولم يذكر.
ولكن رغم هذا الجهد في البحث والكتابة والمسئولية الكبيرة التي يتحملها كاتب الدراما التاريخية.. هل يجد الكاتب التقييم المناسب مثل كاتب الدراما الاجتماعية؟
الدراما التاريخية مهمة يفترض الاهتمام بها كما أن ميزانياتها كبيرة جدا، وكتابها قليلون ولكن كثيرا من الجهات تهتم بالعمل من خلال النجوم الكبار فهم الذين يحددون نجاح أو فشل العمل وهم الذين يبيعون العمل وليس هذا يعني أن الأعمال التاريخية لا تجد الاهتمام لأنها تاريخية.
هناك انتقادات عديدة لما تقدمه الدراما المصرية من قضايا بشكل نال السخط في فترة من الأحيان وهم يبررون ذلك بأنهم ينقلون الواقع؟
هذه مبررات تؤكد غياب الخيال الجيد في تناول قضايا اجتماعية تتعلق بمجتمعات تحتاج إلى إعادة صياغة، والدراما ليست مسئولة عن تقديم الواقع بكل تفاصيله ومساوئه وعلاته، ولكن من الممكن توظيف هذا الواقع بشكل جيد من خلال المحاكاة لا أن ننقله بكل هذه التفاصيل وفي أغلبها كثير من المبالغة من أجل الإثارة، ولهذا فإن الواقع يحتاج إلى إعادة صياغة وليس نقله بهذا الشكل لبث الإحباط في النفوس.
لا أكتب لنفسي
هل تعتقد أنه يمكن أن يطلب من الكاتب تأليف فكرة معينة ويوافق؟
ربما تكون الفكرة جيدة وأنا مقتنع بها ومؤمن بها ولكن في هذه الحالة أكتب ما أريده أنا وما أجيده وأن يكون لي موقفي المبدئي من أي قضية أؤمن بها لأنني لا أكتب لنفسي بل أنقل ما أكتبه للآخرين.
لماذا تختفي أحيانا وتظهر بقوة أحيانا أخرى؟
أنا لست كاتبا أجلس خلف مكتبي طوال عمري للكتابة فقط، فلديّ مشاغلي وحياتي ودوري تجاه نفسي وأسرتي، فإذا وجدت قدرا من الفراغ أحاول خلاله أن أقرأ.. ولذلك عندما أكتب أكون قد وجدت نفسي أرغب في الكتابة، وأنا لا أكتب من أجل الكتابة بل للكاتب رؤية قوية ويعرف متى يكتب ومتى يتوقف.
أخيرا كيف تلقيت خبر تكريمك ضمن خمسين مبدعاً مصرياً بمناسبة العيد الذهبي للتليفزيون المصري؟
بالتأكيد كلمة تقدير أو تكريم لها مدلولها الطبيعي، وهو التقييم، خاصة بعد مشوار طويل من الكتابة، ولذلك أشعر بمذاق خاص لهذا اليوم خاصة أنه تكريم يأتي من المكان الذي انطلقت منه، وهذا يدعوني لأن أوجه تحيه خاصة لعدد من المبدعين الذين ساهموا في إثراء العمل بهذا الجهاز المهم ولم يشملهم التكريم، وما يريح النفس أنهم وجدوا التكريم مراراً من جمهورهم العريض.
القاهرة - دار الإعلام العربية

