مجانين، مهاويس، حمقى، قل فيهم وفيهن ما تشاء، لن تجد من يعير أقاويلك وتحذيراتك أدنى اهتمام، لا أمراض ولا سرطان ولا حتى تحريم سيجدي.. الطلة، التقليعة، التحدي، الإثارة، لفت الانتباه، كسر النمطية، مخالفة كل القواعد، الانقلاب على العادات والنصائح، هذا فقط ما يعنيهم ويهمهم.. أن يظهروا كما يشاءون لا كما تشاء أنت.. تعالوا نتعرف إلى تقاليع التاتو والوشم وآراء الشباب حولها.. ولا مانع من أن نلقي بعض الضوء على مخاطر الظاهرة، لعلها تجد من يعيرها اهتماما.
تقتل النمطية أما «جنى خالد » طالبة في المرحلة الثانوية فتؤكد أنها لم تستخدم التاتو من قبل، إلا أنها مبهورة به كثيرا من خلال الأشكال التي تراها على أيدي وسيقان ووجوه زميلاتها، مؤكدة أنها تضفي عليهن طلة متميزة وجذابة تقتل رتابة النمطية التي تعانيها كثير من الفتيات العربيات، مشيرة إلى أنها حضرت زفافا لإحدى قريباتها كانت خلاله العروس واحدة أخرى غير التي عرفتها من قبل، فالرسوم المبهرة التي نفذتها لها الفنانة السودانية المعروفة «ستونة» جعلتها مبهرة إلى أبعد الحدود على الرغم من أنها سمراء البشرة وعادية الملامح، إلا أن الرسومات التي تنوعت بين فراشات وورود وعقارب وثعابين صغيرة جعلتها في غاية الجاذبية.
يحقق السعادة النفسية
بينما تتفق أماني صلاح، وشيماء محمد الطالبتان بكلية الآداب قسم إنجليزي، في أنهما رسمتا التاتو من قبل بالحناء لدى مركز متخصص، ويتميز بأنه من الألوان الطبيعية التي تتضاءل خطورتها في مقابل التاتو والوشم التقليدي. وبمنتهى العناد قالتا في نفس واحد: كل شيء في الحياة محفوف بالمخاطر، فهل سيتوقف الأمر أمام شيء يحقق لنا السعادة والراحة النفسية؟
بينما تشير ندى فايز إلى أنها تعودت رسم التاتو منذ طفولتها لأنها تحب أشكاله، وتعتبره تجديدا يمنح الفتاة شكلا جميلا، مؤكدة أن الوشم له فوائد، فهو يغطي بعض عيوب الجسد خاصة الحروق، موضحة أن إحدى جاراتها نتيجة حادثة بسيطة أثرت على منطقة في جسدها قامت على الفور بالوشم الذي منحها طلة فريدة.
الشباب أيضا كان لهم رأيهم في هذه الظاهرة، حيث يؤكد نديم راضي طالب بكلية الحاسبات والمعلومات أنه قام برسم التاتو على ساعديه وصدره، ما أكسبه إحساسا مضاعفا بالقوة، لاحظ أثره بوضوح في عيون كثير من زميلاته اللواتي لم يخفين انبهارهن بالرسومات التي تزين صدره القوي.. واعتبر التجربة مثيرة وتعبر عن الحرية الشخصية.
رسمتك من برجك
بينما يوضح عبدالله عبدالقادر أن الشباب تتنوع رسوماتهم وفق الأبراج التي ينتمون إليها، وغالبا ما تتميز رسومات الأولاد بالجرأة والقوة من خلال رسومات ورموز شرسة مثل الثعابين والعقارب والنمور والأسود المتوحشة.. ومن أبرز الأماكن التي يفضلها الشباب الصدر والذراعان والظهر وأحيانا الوجه مع حلاقة الرأس تماما وتزيينها برسومات مرعبة.
خائف
على النقيض، عبر إسلام محمد طالب بكلية الصيدلة عن خوفه الشديد من الإقدام على هذه التجربة، لاسيما لمعرفته بمخاطر المواد المستخدمة في الوشم وأضرارها المباشرة سواء على الجلد أو الآنية كالتسبب في السرطان.. لذلك يقول بحسم: لا أفكر مطلقًا في رسم التاتو لأنني أخشى من تبعاته، فضلا عن دخوله في نطاق المحظور دينيا وفق معلوماتي المتواضعة.
هناك فرق
إلى ذلك، توضح الفنانة السودانية ستونة أنها تبدأ عملها بسؤال الفتاة أو السيدة حول منطقة الرسم، ومن ثم تحدده لتضع كريمات تعمل على تخفيف الألم أثناء الوشم، ومن ثم تبدأ بعملية الرسم، وهنا لابد من التأكد من تعقيم الأدوات ونظافتها.
وتفرق «ستونة » بين التاتو والوشم، مشيرة إلى أن الأول يستخدم رسومات ظاهرية غالبا ما تستخدم مادة الحناء في رسمها وتنفيذها، وهذه تزول بعد أيام أو أسابيع محدودة ولا يكاد تكون لها أضرار صحية.
أما الوشم فيتم من خلال ثقوب تحدث في الجلد تضاف إليها بعد حصول النزف مواد وأصباغ تكسبه ألواناً ثابتة تدوم لفترات طويلة، وقد تكون أبدية مدى الحياة، وهذه لها أضرار صحية عديدة. وتتطرق «ستونة » إلى تكلفة التاتو، موضحة أن سعره يتحدد وفق حجمه واتساعه في الجسم ودقة الرسم وزخرفته، موضحة أن اختيار الرسم يتم من خلال نماذج معدة سلفا تطرح على الزبونة لاختيار ما يناسبها.
وحول أهم الطقوس المتبعة في نقش الحناء أوضحت: يجب تحضير الجسم وعمل الكريمات قبل ليلة الحناء، لأن الكريمات لو وضعت بعد الحناء تزيلها، كما يجب إزالة الشعر الزائد قبل تلك الليلة، وأقوم برسم النقش الواحد خلال خمس دقائق، وبذلك تستغرق الزبونة الواحدة نحو ساعة.
أشارت إلى أكثر الأماكن في الجسم التي ترغب النساء في الرسم عليها، مؤكدة أن الكف والذراع في مقدمة الأماكن التي يطلب الرسم عليها، ثم الساقين، وهناك قلائل يطلبن الرسم على أماكن معينة في الجسد كالظهر والبطن فضلا عن أماكن حميمية.
وتطرقت إلى بعض فوائد الحناء، فبالنسبة للشعر فإنها تقوى بصيلاته وتزيل القشرة، بالإضافة إلى منحه اللون الأحمر الجميل، ولكن عند وضع الحناء على الشعر يجب بعدها أخذ حمام كريم لتطريته.
وبالنسبة للقدمين تعمل الحناء على إزالة السخونة والآلام وتعالج التشققات، وينصح قبل حناء القدمين بوضع النشادر المذابة بالليمون عليها.
وأشارت إلى أن للفلكلور السوداني المصاحب للحناء طابعا خاصا وبديعا، حيث ترتدي العروس ليلة الحناء ثوبًا خاصًا جديدًا، وتلبس إكسسوارات معينة، وتجلس على سرير يسمى «عنقريب » عليه مرتبة ومفارش جديدة.
وتوضع الحناء على صينية عليها شموع وعطور وبخور لمنع الحسد ويكون ذا رائحة طيبة، وشيكولاتة، كما يوضع الملح كناية عن إكساب العروس «الطعامة» في حياتها المقبلة، كما يوضع السكر ليكسبها الحلاوة، وفي الوقت نفسه نغني «الليلة الحنة» و «العديل والزين» و »مبروك عليك».
لذة الألم
يشير اختصاصي الطب النفسي د. محمد المهدي إلى أن الفئات الشبابية تمر بمراحل في نموها وتطورها تتسم بتجريب كل جديد، كما تتسم بالتمرد والخروج عن التقاليد.. وربما يكون ذلك مرحلة مؤقتة عند كثيرين.
ولا يخفى أن اللجوء إلى الوشم على الرغم من معرفة الجميع بمضاره الصحية يتضمن نوعا من التلذذ بالألم الجسدي، وأيضًا يتضمن رفضًا للجسد ومشاعر نقص بخلاف ما يتصوره الشباب أنفسهم من أنهم يزينون أجسادهم ويجعلونها مبهرة، إضافة إلى الرغبة أيضا في لفت انتباه الآخرين وحب الظهور والتميز والتفرد وهذا بالطبع نرجسية واضحة، وشعور بالنقص في أحيان أخرى..
كما أن الرغبات الاستعراضية تبدو واضحة من خلال كشف أجزاء معينة من الجسم لا تكون مكشوفة عادة خاصة لدى الفتيات ككشف أجزاء كبيرة من البطن لإبراز الرسومات التي تزينها.. وفي ذلك استعراضية ونرجسية وإغواء جسدي بالنسبة للمرأة والرجل معًا.
مضار عديدة
أفادت دراسة طبية نشرت حديثًا أن للوشم مضار صحية عديدة منها أنه يسبب مرضًا جلديًا مميتًا، يعرف باسم «المرض آكل الجسد » والذي يؤدي إلى قتل لخلايا الجسم، وكذلك التعرض لعدوى من استخدام أدواته، فبرغم تعقيم الإبرة فإن ذلك لا يمنع من التسبب في نقل أمراض عدة كالإيدز مثلاً..
فضلا عما تسببه الأحبار أو الصبغات المستخدمة في الرسم، فهي تحتوى على مواد مضافة لإكساب الصبغة ألوانا لها تأثيرها السلبي على الجسم، حيث إن أغلب المواد الكيميائية المستخدمة في الحبر صبغات صناعية صنعت في الأصل لأغراض أخرى مثل طلاء السيارات أو أحبار الكتابة.
فضلا على تلوث دم الإنسان عند ثقب الجلد واختلاط الدم بالتراب والملوثات خلال تعرض الجلد لجرح، فيترك ندبة أو أثرا يكون عرضه للإصابة بفيروسات خطيرة مثل فيروسب المسبب للإيدز، أو الإصابة بفيروسات الالتهاب الكبدي، والإصابات البكتيرية الناجمة عن تلوث الإبر المستخدمة.
تحذير طبي
يحذر كثير من الأطباء من التاتو أو الوشم المستخدم من مواد كميائية، مؤكدين مضاره العديدة، إذ أنه عبارة عن إبرة رفيعة بها مادة معينة على شكل حبيبات تحقن تحت الجلد، فتعطي ألواناً مختلفة، كحبيبات الكبريت التي تعطي اللون الأصفر، أكسيد الكروم يعطي اللون الأخضر، الزئبق وصبغات نباتية تعطي اللون الأحمر، وهكذا.. ويعدد الأطباء العديد من المضار للتاتو الكيماوي منها:
أنه بعد فترة من عمله يرفض الجسم المادة المحقونة داخله ويفرز أجساماً مضادة ما يسبب تشوهات في مكان وضعه، وعند الرغبة في إزالته يتم الاضطرار إلى حفر الجلد، وزراعة جلد جديد لترقيع المكان، وكل ذلك يسبب أضراراً وتشوهات للجلد.
بالإضافة إلى مخاطره في نقل الأمراض، إذ غالباً ما يتم عمله من خلال حقن المادة الملونة بالإبرة، وقد تُستخدم إبرة واحدة لعدة أشخاص، ما يؤدي إلى تناقل العدوى لاسيما أن معظم من يقومون بالحقن غير مؤهلين طبياً.. والأخطر أن الألوان المستخدمة كيماوية تسبب الحساسية والتهيجات والتشققات الجلدية، والبعض منها يسبب أمراض السرطان، والأورام الجلدية.
القاهرة - دار الإعلام العربية

