ثلاثون عاماً قضاها واقفاً على خشبة المسرح، لم يجلس خلالها أو يتراجع.. أنشأ مسرحه الشهير بـ «مسرح نجم» فصار علامة للمسرح المصري بعدما قدم خلاله كل ما كان يأمله بعيدا عن تقلبات السينما والتلفزيون..

هو الفنان محمد نجم الذي بلغ النجومية في وقت مبكر، وظلت عبارته الشهيرة «شفيق يا راجل» «أيفيه» يتناوله الشارع العربي بمناسبة وغير مناسبة ... وداخل كواليس مسرحيته الجديدة «حودة وحلمبوحة» التقيناه ودار معه هذا الحوار حول السينما والمسرح.. وهذا نص الحوار.

أنت الفنان الوحيد الذي حصر نفسه في خشبة المسرح دون الاهتمام بالسينما والتلفزيون؟

من قال لك إنني حصرت نفسي.. فقد عرضت عليّ الكثير من الأعمال في السينما، ولكنني أعتمد على خبرتي في اختياراتي لأعمالي، فأنا لست ممثلا عاديا، بل لي تاريخ، وعندما يعرض عليّ عمل لا يتناسب مع تاريخي ومهما يدر عليّ من مال فلن أقبله، وسأستمر على مبدئي هذا، خاصة وأن السينما الآن خارج دائرة حساباتي.

أزمة السينما

هذا يقودنا للسؤال عن تقييمك للسينما اليوم؟

السينما اليوم تعانى من أزمة حقيقية بعدما وقعت في قبضة التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وهؤلاء كل همهم.. كم دفعوا وكم سيكسبون؟ دون النظر إلي صناعة سينما حقيقية من حيث الكم والكيف، وحتى التلفزيون استهوته الفكرة وسلم الدراما للقطاع الخاص، أعرف أن كثيرين سيغضبون من كلامي هذا.

لكنني صريح ولا أحب المجاملة، وأقول إننا إذا أردنا سينما حقيقية فلابد أن تقوم على شركات مملوكة لأهل المهنة، وأن نرى الأعمال التلفزيونية كما كان سابقا «إنتاج قطاع التلفزيون»، وليس للدخلاء على المهنة.

وما رأيك في الجيل الجديد من نجوم الكوميديا؟

لا أريد أن أتحدث عن الجميع بلا استثناء.. ولكن للأسف، النجم الكوميدي عندما ينال دور البطولة حالياً لا يعتمد على فكرة جديدة أو يجيء بإضافة، ولكنك تجده مقلدا من الدرجة الأولى، ويعتمد على «ايفهات» بايخة ومكررة، وأغلب الممثلين الذين يطلق عليهم كوميديان يقبلون أي عمل يعرض عليهم، حتى ولو كان دون المستوى، المهم أن ينال بطولة ويشتهر..

وفي رأيي أن الكوميديان ليس أراجوز، بل هو إنسان له إبداعه وأفكاره، لكن يبدو أن الاقتباس والتقليد أصبح هو الإبداع عند كثير من الجدد من الذين يطلقون عليهم نجوم الكوميديا، وهؤلاء لا يحفظون حق الكبار والأساتذة، بل يسطون على أفكارهم و«ايفاهاتهم»، عكس جيلنا، حيث كنا نحترم من سبقونا وعلمونا، ولا نسطو على إبداعهم.

الكوميديان ليس أراجوز

هل هذا يعني أنك لم تر شيئا يعجبك في النجوم الجدد؟

أنا لست ضدهم، فكلما تظهر موهبة أتابعها، وإن كنت في كثير من الأحيان أصدم عندما أرى ذلك النجم الشاب ليس لديه خيال أو أفكار تتناسب مع موهبته، وكذلك أنا لست منافسا لأبناء هذا الجيل؛ يعني أنني عندما أقول رأيي أقوله بتجرد، ولكن إذا قلت رأيي أو لم أقله فإن الجمهور سيقول.

لأن الجمهور معروف أنه صانع النجوم الحقيقيين، وأؤكد لكم أن الكثير من هؤلاء الفنانين عندما ينصرف عنهم الناس لضعف موهبتهم أو حتى الذي لديهم موهبة ولم يعرفوا كيف يستغلونها يبدؤون في عمل تقليعات من خلال مظهرهم أو لبسهم لجذب الجمهور تجاههم، وهذا لن يكون شافعا لهم.. فقط الموهبة الحقيقية هي التي تصنع الفنان والنجومية.

ألا تشعر بأن حكمك قاس عليهم؟

لا.. هذه هي الصراحة، ولو واجهنا أنفسنا وتجردنا في الحكم على كل جديد سنعطي لكل ذي حق حقه، وأنا حقيقة لا أنكر أن بين الشباب الجدد وجوهاً كوميدية مبشرة، ومنهم من استطاع أن يفرض نفسه.. لكن أخاف عليهم من النهج الذي تسير عليه السينما، خاصة تلك الأيام التي تسد الطريق أمام المواهب الحقيقية.

هذه هي السينما كما قلت إنها تمر بأزمة .. فما رأيك في المسرح؟

المسرح ما زال سيد الموقف رغم تراجع الإقبال عليه، وربما يكون هذا نتيجة للأزمة الاقتصادية وارتفاع قيمة التذاكر، وكذلك المسرح لا يجد أي دعم، وما زالت تكبله الضرائب، وأعتقد بأن محاولات جرت لتخفيض تذكرة المسرح، ولكن التكاليف الكبيرة من أجور ممثلين وفنيين وضرائب وديكورات جعلت الأمر صعباً، ورغم كل هذه العوامل المسرح هو الأفضل.

وإن كانت هناك بعض العوامل التي تحتاج إلى نظرة موضوعية كغياب النصوص الجيدة واعتياد بعض النجوم على الخروج عن النص، خاصة إذا كان العمل ضعيفاً، فالنص إذا لم يلب طموح الممثل في الإضحاك يخرج الممثل عن النص بإيفهات وجمل، أحيانا تكون غير مناسبة، وأحيانا تكون مبتذلة من أجل الإضحاك فقط.

مشاكل المسرح

ولكن هذه المشاكل التي يعانى منها المسرح رغم أنك قلت هي الأفضل هي عوامل تسهل معالجتها؟

نعم، وهذا يظهر عندما يكون العمل به مجموعة من الفنانين الملتزمين وأصحاب الخبرات الجيدة، تجد أنهم لا يحتاجون للخروج عن النص إلا في حدود ضيقة تستدعي ذلك.

وحتى الخروج عندما يكون متوافقا مع الموقف تشعر بأن هناك إضافة، لكن لا يمكن معالجة هذا الأمر إلا من خلال مخرجين ملتزمين يكون لهم قدرة في السيطرة على النجم نفسه وتحجيمه لعدم الخروج الجريء أحيانا، أما التكاليف الكبيرة للعمل والتي ترفع أسعار التذاكر فيمكن أن تعالج مع الدولة باعتبار المسرح منبرا ثقافيا يستحق الدعم.

إذا اتفقنا على أن أزمة النصوص التي طالت السينما والدراما طالت المسرح.. أين كتاب المسرح الآن؟

موجودون، ولكن البعض يستسهل الأمر ويعتمد على أي عمل مضحك فقط، من دون أن يسأل عن الهدف من هذا العمل.. فنحن افتقدنا الرواية التي كانت أساس العمل المسرحي، ورغم أن هناك كتابا جيدين في هذا الجيل إلا أن السينما والدراما علمتهم الاستسهال، مع أن هؤلاء لو استخدموا مواهبهم في الكتابة وكتبوا بوعي وبشكل جيد لكان بالإمكان حل مشكلة النصوص.

هل غياب النقد المسرحي أثر بشكل مباشر في مستوي المسرح؟

أنا قلت لك إن المسرح بخير، ولكن بالفعل يحتاج إلى اهتمام إعلامي، وكل يوم تقرأ في الصحف عن هذا الفيلم وذلك المسلسل إلى جانب تحليل كامل للعمل السينمائي والدرامي وحوار مستمر مع الأبطال في الصحف والفضائيات..

بينما في المقابل لا نجد نقداً أو مقالا أو مجرد حديث عن مسرحية أو حتى إشارة لها، رغم أن المسرح هو الأساس، وهو أبو الفنون، فمثلا أقدم حاليا مسرحية «حودة وحلمبوحة» ولا أجد تغطية إعلامية لها.. ولكن أعتقد بأن النقد المسرحي اختفى لعدم تقدير الإعلام للناقد المسرحي أو انشغالهم بأشغال أخرى.

ماذا تقول لشباب المسرح؟

أقول لهم إن اختياركم للمسرح كبداية للانطلاق نحو النجومية اختيار موفق، ولكن المسرح التزام، ودهاليزه غنية بالإبداع.. اعتمدوا على مواهبكم، اخلقوا لأنفسكم مكانا عريضا، وكل منكم تكون له شخصيته، ومن ثم بصمته، فالمسرح هو أفضل من يقدمكم للساحة الفنية وللجمهور.