عطية شرارة مايسترو مصري.. له مع آلة الكمان باع امتد إلى أكثر من نصف قرن، حيث يعتبر مؤسس ما سُمِّي بالموسيقى الكلاسيكية المصرية، أي الموسيقى المبنية على أسس التأليف الكلاسيكي الغربي، لكنها مشبعة بالطابع الشرقي، ولذلك عاشت مقطوعات «عطية شرارة» الموسيقية مع الوجدان العام، على الرغم من عدم معرفة الجمهور بصاحب هذه المؤلفات معرفة كبيرة.. معزوفات رشيقة تتحدث باسم الروح المصرية..
«الحواس الخمس» في ضيافة أوتار كمان شرارة الذي تحدث عن الهمِّ الموسيقي المصري، ونشر الوعي بالثقافة الموسيقية.. فاتحًا خزانة ذكرياته مع كبار الموسيقيين المصريين.الحديث مع مؤلف موسيقي مثل عطية شرارة محير في تحديد ضربة البداية ونستهل الحديث معه عن بدايت بقوله: من غرفة التمرين بمعهد الملك فؤاد للموسيقى العربية في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث كنت أتمرّن على الكمان استعدادًا لامتحان الدبلوم، وأقوم ببعض التنويعات على إحدى مقطوعات موتسارت، وفوجئت بالموسيقار محمد عبدالوهاب يفتح باب الغرفة وسمعني بعض لحظات ومضى.ولكن بعد دقائق وجدته يرسل لي أحد أعضاء فرقته لأذهب إلى القاعة التي كان عبد الوهاب يُجري فيها «بروفة»، وطلب مني أن أعزف المقطوعة ذاتها، ولكن بإيقاع أسرع، ثم مرة أخرى بمصاحبة إيقاع، وقمت بتسجيل هذه المقطوعة مع فرقته التي كانت تضم فطاحل العازفين مثل يعقوب طاطيوس وأحمد الحفناوي.
وبعدها ظهرت هذه المقطوعة كتيمة أساسية في لحن أغنية «حكيم عيون»، وأرسلني عبدالوهاب إلى شركة «بيضافون» بحي «الموسكي»، وأعتقد أن عبدالوهاب كان شريكًا في هذه الشركة، حيث أعطاني شخص يُدعى «تينون» عشرة جنيهات، وظللت أنفق هذا المبلغ مع أصدقائي أكثر من شهر.:تحذير من عبدالوهاب:وعن تأثير علاقته مع عبد الوهاب حول مسيرته يقول: كان أستاذي «سيوار مناك» يغضب مني كثيرًا حين أذهب إلى عالم عبد الوهاب الموسيقي ويحذرني منه، لأنه كان يريدني أن أمضي في طريق الموسيقى الكلاسيكية، وسعى في إرسالي في بعثة إلى فينيسيا.ولكني كنت قد أحببت العمل مع عبد الوهاب، فقد كان ولا يزال أهم وأشهر موسيقي مصري على مر الزمن، وكان العمل معه أكثر من ممتع، علاوة على الشهرة والخبرة الموسيقية التي تكتسب بالاحتكاك بشخصه أو بمن معه من عازفين مهرة، فقد كان عملي مع عبدالوهاب في كل حفلاته داخل وخارج مصر حتى آخر حفلاته أمام الجمهور في نادي «الفرسان» بعد ثورة 1952.
وغنى وأبدع فيها أغنيته الشهيرة «كل ده كان ليه» رغم التغيرات التي شابت صوته، وأذكر أن السيد حسين الشافعي، أحد الضباط الأحرار، قابلنا بعد الحفل ورحَّب بنا كثيرًا.
وبعد هذه الواقعة بأعوام طويلة وأثناء إقامتي بباريس في أواخر الستينيات جاء عبد الوهاب وفريد الأطرش لقضاء اجازة الصيف، وبحكم صداقتي القوية بعبد الوهاب فقد دعوته إلى العشاء في مطعم مغربي، وعرفت فيما بعد أن فريد الأطرش غضب مني بسبب دعوتي لعبد الوهاب من دونه، وحاولت أن أعتذر لفريد الذي تميز بكرمه، لكن دون جدوى.
مع أم كلثوم
وحول علاقته بام كلثوم يوضح بقوله : لقد طلبت أم كلثوم انضمامي إلى فرقتها عن طريق الموسيقار محمد القصبجي، ولم أعرف السبب المباشر لهذا الطلب المفاجئ، وعرفت فيما بعد أنها كانت غاضبة من عازف الكمان الأول أحمد الحفناوي، لأنه ترك الفرقة وسافر مع المطربة نادرة لإحياء حفل، فكان من حظي أن أعمل معها لموسمين، وشاركت في أغنيات منها «أنت عمري» و«الأطلال».
وكانت أم كلثوم امرأة عنيدة يصعب التعامل معها، ولم تكن تقدر عازفيها ماديًا بالشكل اللائق، وكانت تتعامل بمنطق حزبي، بمعنى أن من ليس معي يكون ضدي، وكان عبد الوهاب بالطبع الحزب الموسيقي الغنائي الآخر في مصر، وأعتقد أن علاقتي بعبد الوهاب أثرت كثيرًا في تعاملها معي.
وعن نهجه الموسيقي يقول : لقد تمسكت بالاستقلالية الموسيقية حتى وأنا مع عبدالوهاب، لأن عشقي للموسيقى جعلني لا أرضى عن العمل كعازف مصاحب للغناء فقط، لذلك فضلت تأسيس نادٍ يجمع الموسيقيين، وأطلقت عليه اسمي، وكان يقع بشارع «الساحة» بالجيزة، وأصبح في فترة وجيزة ملتقى لكبار أهل الصنعة الموسيقية.
فقد كان السنباطي يُجري بروفاته هناك، كذلك المطربان عبدالغني السيد، محمد قنديل، وهما من أقوى وأعذب الأصوات التي لحنت لها، بالإضافة إلى كارم محمود، فايزة أحمد، شريفة فاضل، والثلاثي المرِح ونجاة، كما قدمت مجموعة من موسيقى الأفلام «إسماعيل يس طرزان» و«عش الغرام».
تجارب
ويرى شرارة الموسيقى هي الموسيقى، فهناك متطلبات لكل نوعية، فالتأليف الموسيقي حلمي الأول، كما أن التلحين كان تجربة لا بد منها، خاصة في ظل وجود أصوات مغرية في الزمن السابق، كما أنني أحببت أن أجرب وضع الموسيقى التصويرية، لأنها بشكل أو بآخر قريبة من التأليف الموسيقي وتدعم التجربة الدرامية، لكن كنت أهتم ببعض الألوان التي يتم تجاهلها ربما لصعوبة التعامل معها مثل الصور الغنائية.
مثل «الورد، التمر حنة، الملحمة المحمدية، الأوبريت»، فهذه الأعمال تتطلب موسيقيًا لديه قدرة تعبيرية وخبرة كبيرة لإعطاء كل صوت مساحته وطبقته في نسيج عمل واحد، كما تتطلب مجهودًا يعادل عدة ألحان، وبالتالي يفضل الملحن تقديم مجموعة أغانٍ تحقق له عائدًا ماديًا أكبر، وانتشارًا أهم، وقد كان تقديم هذه الألوان الغنائية من عمل الإذاعة، وبحكم عملي كقائد لأوركسترا الإذاعة كان من واجبي أن أهتم بها.
ذهاب وعودة
وكشف شرارة انه لم يكن ميالا للسياسة ويضيف قائلا : لم يكن هناك ود بيني وبين نظام عبدالناصر، بسبب عدم إجادتي لفن العلاقات والمجاملات، لذا آثرت الابتعاد وقضيت في باريس مدة طويلة في أوائل السبعينيات، وعملت قائدًا لفرقة عبارة عن تخت شرقي في صالة اسمها «ألاجيريان»، وبالمصادفة كان كل العازفين من يهود المشرق العربي.
وفوجئت باستدعاء من القنصلية المصرية هناك، وفي لقاء مقتضب طُلب مني أن أنهي عملي بهذا المحل بسبب ظروف الحرب مع إسرائيل، ولحسن الحظ حضر السيد حسين الشافعي للقنصلية في زيارة لباريس وتحدث معي، وعندما عرف أنني مايسترو الفرقة أثنى عليَّ، وترك لي حرية القرار.
وبعد حرب أكتوبر 1973، والانتصار الذي تحقق للعرب، تغيرت الظروف في مصر وقررت العودة، وبنيت منزلي في ضاحية الهرم، وبدأت العمل في المعهد العالي للموسيقى العربية بطلب من السيدة رتيبة الحفني، عميد المعهد حينذاك، وأنشأت قسم التأليف الموسيقي، بالإضافة لتدريس الكمان، ووضعت منهجًا للعزف من نتاج خبرتي مع الموسيقيين في الدول العربية، فبعضهم يمارس العزف بتمارين تكنيكية بحتة.
ولا يمتلك القدرة على عزف الموسيقى العربية والإحساس بها، والبعض الآخر نشأ على الموسيقى العربية، وبالتالي لا يستطيع سوى عزف الألحان أو مصاحبة الغناء، ولذلك وضعت هذا المنهج للارتقاء بالعازف العربي، خاصة بعد تطور الموسيقى العربية وانتشار التوزيع والهارموني.
وقد أسهمت في تأسيس عدة معاهد موسيقية وفرق كثيرة في دول عربية حيث كانت البداية من الأردن، حيث أنشأت معهد الموسيقى العربية في جبل عمَّان، واستعانت فيه ببرامج ومناهج تعليمية من مصر، ومنها إلى لبنان بعد نكسة 1967 مع عازف الكمان عبود عبدالعال فقد كونَّا فرقة موسيقية كانت تقوم بمصاحبة وتسجيل معظم الأغاني لكبار المطربين حينذاك.
وطرت إلى تونس وكونت بالإذاعة التونسية ما سُمي «الفرقة الأولى»، وحفظتهم الأدوار القديمة لمحمد عثمان وسيد درويش وغيرهما، ومن تحت عباءة هذه الفرقة ظهرت المطربة «عُليَّا» التي جاءت إلى مصر بعد ذلك واشتهرت بأغنية «ع اللي جرى».


