لاشك أن قراءة كتب التاريخ للتعرف إلى أبطال الماضي لم تعد الوسيلة التي يعتمد عليها لإحياء ذكرى نضال شعب، أو تعريف الأجيال الجديدة بالأبطال الذين ضحوا من أجل هذا الوطن، خصوصا مع انتشار ثقافة «التيك أواي»، أو المعارف الخفيفة، نظرا إلى إيقاع الحياة السريع للغاية.
وبالتالي أصبحت السينما، أمرا مهما يعول عليه لإعادة تقديم الأبطال وإحياء ذكراهم في مناطق مثل أمريكا اللاتينية، التي خاضت شعوبها عبر التاريخ الحديث الكثير من ثورات وحروب التحرير.وفي إطار سلسلة الأعمال السينمائية الملحمية التي أطلق عليها «المحررون»، وتضم ثمانية أجزاء، تتناول مسيرة نضال أبرز قادة التحرير في أمريكا اللاتينية من الاستعمار الإسباني والبرتغالي، وقع اختيار القائمين على السلسلة، على أوروجواي، خوسيه أرتيجاس، لتصوير فيلم عن المرحلة الأخيرة من حياته. ومن المقرر أن يحمل الفيلم عنوان «لاريدوتا».وسوف يكون التصوير في الأماكن الحقيقية للأحداث، بقرية كوروجواتي (240 كلم) شمال غرب العاصمة الباراجوية اسونسيون، التي شهدت التفاصيل الأخيرة من حياته.
ولا تزال مدينة كوروجواتي الصغيرة تتنفس عبق ذاكرة أرتيجاس، هذا البطل المنسي، الذي أطلقت عليه قبائل الجواراني، السكان الأصليون بالمنطقة، لقب «أوار واكي كاراي» وتعني بلغة (نيانديفا) المقدسة: «شعاع الضوء في الظلمات».
فقد عاد أرتيجاس إلى هذه القرية بين 1820 و 1850 بعد الهزيمة التي لحقت به على يد البرتغاليين والإسبان الذين وحدوا صفوفهم ضده، خلال حروب التحرير التي خاضها ضدهم واستمرت من 1811 إلى 1817، لتكوين وطن قوي يضم شعوب المناطق المطلة على نهر لابلاتا وهي أوروجواي وباراجواي وشمال الأرجنتين.
وفي كوروجواي، لا يزال كل شيء يذكرنا بالبطل التاريخي أرتيجاس، من المدرسة، للميدان الرئيسي، للبار للحديقة العامة، إضافة إلى المعالم الأثرية الأخرى التي تحمل اسمه، على الرغم من أنه لم يكن في يوم من الأيام ينتمي للسكان الأصليين، على العكس كان ينحدر من أصول إسبانية وخدم في جيش المستعمر.
على الرغم من ذلك، شعر أرتيجاس في يوم من الأيام بالظلم الواقع على الشعوب التي تحتلها بلاده، فقرر تنظيم حركة تمرد، وكون جيشا من السكان الأصليين أو الهنود، سرعان ما ضم إليه عناصر من الزنوج والخلاسيين، نتاج التزواج بين هندية وإسباني، وبعض المهمشين البيض. وبعد انتصارات محدودة في معارك عدة، تم تنصيب أرتيجاس جنرالا وقائدا عاما لحروب التحرير.
بعد النفي الإجباري عام 1830 إثر سلسلة من الهزائم القاسية التي لحقت به في اوروجواي، فضل القائد العزلة الاختيارية في باراجواي، التي كان شعبها يكن له كل تقدير واحترام، لدرجة أن قبائل الجواراني منحته لقبا مقدسا هو أوار واكي كاراي.
وفي ذلك الوقت كان حاكم باراجواي، الديكتاتور خوسيه جاسبار رودريجز دي فرنسا، قد منح أرتيجاس ملاذا آمنا في كوروجواتي، وهو ما فسره الكثير من المؤرخين على أنه «سجن مقنع»، كي يحظى فيه بحرية حركة محدودة، ولكن تحت رقابة صارمة، نظرا إلى الخطورة التي كان يمثلها شخص بمكانته، كان على وشك أن يفرض على أمريكا اللاتينية تجربة تنظيمية غير مسبوقة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، في وقت كانت القارة لا تزال تخضع فيه للاستعمار الأوروبي.
ومع ذلك، طاب لأرتيجاس المقام في كوروجواتي، وتفرغ لزراعة الأرض، حيث أعلنت السلطات منحه 40 هكتارا من الأرض لزراعتها، ولكن الأمر لم يتجاوز بأي حال من الأحوال أربعة هكتارات فقط.
ونظرا للأهمية التاريخية لهذه المزرعة، فقد حظيت بعناية ورعاية كبيرة، ولم تتعرض للإهمال وزحف الغابات الاستوائية الذي طال العديد من المعالم التاريخية والأثرية بالمنطقة.
وتحولت المزرعة الآن حديقة عامة، وتحظى بحماية قانونية كبيرة، كما أصبحت منطقة جذب سياحي ومكان يقضي فيه أهالي المنطقة أوقات تجمعهم في عطلات نهاية الأسبوع في ظل الأشجار الباسقة المعمرة، هربا من حرارة الصيف التي تصل أحيانا إلى 50 درجة مئوية .
خلال جولاته القصيرة، حرص أرتيجاس على توثيق صلاته بالسكان، مما أثار قلق الكولونيل بيلاسكو، قائد كتيبة الجيش بمدينة كوروجواتي فبعث في الرابع من فبراير عام 1821، برسالة إلى الديكتاتور دي فرنسا جاء فيها: «هناك رجل مهذب نبيل الصفات واسع المعرفة والاطلاع، اعتاد المرور بمقر الكتيبة ويبادله جنودنا التحية والاحترام».
يقوم بإخراج فيلم «لاريدوتا» الأوروجوائي سيزار شارلون، والفيلم التاريخي من بطولة خورخي اسموريس والإسباني رودلفو سانشيز. يشار إلى أن عنوان الفيلم مأخوذ من آخر معركة حربية شهدت هزيمة قوات أرتيجاس، وهي الذكرى التي ظلت عالقة لفترة طويلة بأذهان سكان كوروجواتي.
جدير بالذكر أنه نظرا إلى الأحداث الكثيرة والمتشعبة لسيرة حياة هذا القائد الأسطوري، فقد اقتصر صناع الفيلم على تناول هذا الجزء من حياته، مع تناول تفاصيل تتعلق بأحد معسكرات التدريب التي أقامها وسط قبائل أيوي من السكان الأصليين في أوروجواي، على مسافة 400 كلم من العاصمة مونتيفيديو.
والتي شهدت قمة انتصاراته، وصعود نجمه كقائد عسكري، ولكنه في الوقت نفسه شهد أفول هذا النجم مع تحطم أحلامه الرومانسية بإقامة وطن موحد في الجانب الشرقي من أمريكا الجنوبية، على صخرة الخيانة والغدر لينتهي به الأمر مهزوما منفيا إلى باراجواي.
«الحواس الخمس»- «د ب أ»

