كما التمر والمسحراتي، وكل الأشياء الشهيرة التي تحظى برواج شديد في شهر رمضان، تروج بضاعة الفانوس الذي يشهد موضة مختلفة كل عام، نظرًا للإقبال الكبير من الأطفال على شرائه، وبينما سيطرت في العام الماضي شخصية «المفتش كرومبو» على سوق الفوانيس، اكتسح السوق هذا العام فانوس «أبو تريكة».
حيث يجد إقبالاً كبيرًا من الأطفال الذين فضَّلوه على فوانيس العرائس وشخصيات الكارتون الشهيرة التي سيطرت على عقولهم خلال الأعوام الأخيرة.. «الحواس الخمس» تجوَّلت في سوق الفوانيس المصرية، ورصدت المتغيرات التي ألمَّت به مقارنة بالعام الماضي. أكثر ما يلفت انتباه الزائر لسوق الفوانيس المصرية، هو استمرار تراجع الفانوس المصري الذي يطلق عليه المصريون «أبو شمعة» في مواجهة الفانوس الصيني الذي استحوذ علي كل ركن في الشارع بأشكال و«تقليعات» جديدة وجاذبة، فقد أدرك الصينيون مكامن العاطفة في قلوب المصريين، وصنعوا فانوسًا للاعب الأهلي المصري «محمد أبو تريكه».
وفانوسًا ل«حسن شحاته»، مدرب منتخب مصر، باعتبارهما الأشهر في كرة القدم، فضلاً عن تمتعهما بقبول كبير لدى الجماهير المصرية والعربية، حيث ظهر شكلان لأبي تريكة، أحدهما رافعًا فيه علم مصر بيد والأخرى كأس الأمم الأفريقية، أما المعلِّم حسن شحاته فقد وضعه الصينيون على مائدة بلاستيكية ممسكًا بالكرة بيده ويغني، وصنعوا أيضًا شكلاً آخر لحسن شحاته وهو يركب «موتوسيكلاً» بزي مصر الأحمر.
مزاج المصريين
الحاج محمد الأسيوطي، أحد تجار الفوانيس، قال إن الشريحة الأكبر لشراء فوانيس رمضان هذا العام هم الأطفال، خاصة من هم في سن السابعة وحتى الثامنة عشرة، وهؤلاء يفضلون الفوانيس الصينية التي تغني وتتحرك وتتناول قضايا تهمهم، وهذا ما دعا الشركات الصينية إلى الاهتمام بالشخصيات الأكثر شهرة وتأثيرًا بالنسبة لهذه الشريحة.
وقال إن الصينيين قدموا للشعب المصري هذا العام فوانيس تتناول أهم شخصيتين رياضيتين، لهما شعبية عريضة ويعشقهما الشعب المصري هما أبو تريكه برقمه المعروف 22، والمعلِّم حسن شحاته بشاربه الأبيض المميز، وإن كان الإقبال الأكبر على فانوس أبو تريكه الذي يتراوح سعره ما بين 45 و 50 جنيهًا، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث المبيعات فانوس حسن شحاته.
والأطرف أن ذكاء الصينيين الذين غزوا الأسواق المصرية لم يتوقف عند ذلك، بل قدموا أيضًا عددًا كبيرًا من الفوانيس البلاستيكية والإلكترونية ذات الأشكال المختلفة، إلا أن أكثر ما يميزها - كما يقول الحاج محمد - هو تقديمها لأغنيات دينية رمضانية وأدعية وموسيقى شعبية نادرة، الأمر الذي جعلها أيضًا جاذبة حتى للكبار.
الفانوس التقليدي
ولكن رغم ما تطرحه الصين من هذه الفوانيس بأشكالها المبهرة وتسويقها عبر أسماء لامعة من نجوم الساحة المصرية، إلا أن البعض ما زال يحنّ إلى ذلك الفانوس المصري التقليدي المصنَّع من الزجاج الملوَّن والصاج، خاصة الفتيات الجامعيات والموظفات، وهن يعتبرن الشريحة الأقل في الاهتمام بالفانوس من حيث اقتنائه.
في حين ركَّز صناع الفانوس المصري على الفوانيس الكبيرة جدًا التي يقتنيها أصحاب المحال الكبيرة ورجال الأعمال لتزيين الشوارع أو أمام أبواب مساكنهم، فهي تقوم على طابع تقليدي ومصنَّعة من الصفيح والزجاج الملون ولها مدلولات كثيرة، خاصة أنها تعبِّر عن الاحتفاء بالشهر الكريم، أما الفوانيس المصرية بالأحجام المتوسطة والصغيرة ما زال هناك من يهتم بها، فهؤلاء يرون في الفانوس القديم كثيرًا من الذكريات والأصالة.
ويقول المهندس محمد عابدين، صاحب أحد مصانع الفوانيس، إنه في ظل المنافسة الشرسة من الصنَّاع الصينيين، حاول صنَّاع الفوانيس المصريين الدخول إلى السوق بصناعات إلكترونية وبأسماء مصرية لشخصيات أو أفلام لأبطالها جمهور عريض في مصر مثل «المفتش كرمبو، اللمبي، دبور، والقرموطي».
وهي تتناول هذه الشخصيات، وأيضًا تتحرك وتغني مثل الفوانيس الصينية، وإن كان يعترف أن هذه المنتجات لم تستطع الصمود أمام الصناعة الصينية نسبة للتقنيات العالية التي تعتمد عليها صناعاتهم، وغير ذلك أن حجم الاستيراد للفانوس الصيني يزيد على الخمسة ملايين دولار سنويًا ما يجعل الصناعة المصرية غير قادرة على المنافسة، خاصة أن سعر الصيني رغم جودته والإقبال عليه أقل من سعر المنتج المحلي في مصر.
الصيني أحلى
يقول أحمد، وهو صبي في الثالثة عشرة من عمره، إن والده اختار له فانوسه ولكنه فضَّل فانوس أبو تريكه على الفانوس المحلي الجديد، وعندما سألناه إذا كان اختياره لهذا الفانوس من أجل أبو تريكه، قال: «نعم ولكن الفانوس الصيني أحلى»، وهذا الطفل مثل غيره تبهره التقنيات العالية وجمال الشكل، وإن كان البعض ينظر إلى السعر أيضًا.
وحملنا إجابة الصبي المصري إلى حسن الباشا، مصنِّع فوانيس في مصر، فردَّ قائلاً: «نعم هم سبقونا في تطوير الفانوس، ولكننا استطعنا أن نحافظ على شكله الأساسي، ولكن العام المقبل ستشهدون الكثير من التطوير والتقنية العالية في الفانوس المصري».. نافيًا أن يكون الفانوس الصيني قد اكتسح المصري، ولكن ما يتم استيراده من الصين كميات كبيرة جدًا أغرقت الأسواق، وهذا أدى إلى هذه الملاحظة.
وأشار إلى أن هناك الكثيرين الذين عاصروا هيبة وعزة الفانوس القديم، وما زالوا حريصين على شرائه، وقال: «للأسف إن الذين يُقبلون على الفانوس الصيني يعتمدون على شكله الجذَّاب، لأنهم لم يعاصروا ذلك الفانوس الرائع والذي يحمل الشكل التاريخي له منذ العهد الفاطمي، وبقدر ما تغيَّر الشكل الجمالي له إلا أنه حافظ على شكله الأساسي والتاريخي»...
قصص الفانوس
وأيده في ذلك الحاج عبدالمنعم، وهو في الستينيات من العمر، قائلاً إنه مع اقتراب الشهر الكريم كل عام اعتاد التجوُّل في مناطق الوِرش التي تصنِّع الفانوس في مصر أو المحال التي تهتم بتوزيعه وبيعه، وأكد أن هذا الفانوس المحلي يربطه بهذا الشهر الكريم ويعيده إلى سنوات ماضية، عندما كان من الأولويات التي تحرص الأسرة على توفيره في المنزل له وأشقائه..
وقال: «إن لهذه الفوانيس قصصًا كثيرة، فأتذكر عندما كان أبناء الحي يخرجون ليلاً وكل يحمل فانوسه وبداخله تلك الشمعة، ونطوف به حول الحي والأحياء المجاورة، وكلما دخلنا أحد هذه الأحياء يخرج معنا أبناؤها، وهذا أدى إلى معرفتنا بالكثيرين وتولَّدت صداقات بيننا، ومنهم من ظلت صداقاتهم لنا مستمرة حتى الآن بالرغم من أننا تعارفنا ونحن أطفال»...
والملاحظ حاليًا في شوارع القاهرة هو تواجد الفانوس الصيني أمامك في أي لحظة، بينما كان في الماضي وقبل ظهور الفانوس المستورد كان هناك أماكن معروفة للفانوس المصري الذي كان وحيدًا بدون منافس في «باب الخلق، السيدة زينب، وشارع محمد علي»، وله في كل أسواق الأحياء في العاصمة والأقاليم أماكن معروفة تجدها مليئة بالزبائن.
وأشار إلى أنه بعد ظهور الفانوس الصيني وتواجده على عرش الفوانيس أُغلقت أغلب هذه المحال، ولكن ما زالت بعض المحال الكبيرة في باب الخلق وشارع محمد علي والسيدة زينب موجودة، وكذلك موجودة في بعض الأحياء الشعبية ولها أيضًا زبائنها من كبار السن وبعض الشباب الذين يرون في الفانوس المصري التقليدي ميزة مهمة، انطلاقًا من حرصهم على شراء مقتنيات تراثية، حيث أصبح البعض يؤكد أن الفانوس القديم أصبح من التراث.
تراجع المبيعات
أما الحاج فاضل، صاحب محل لبيع الفوانيس القديمة، فقال: «إن العائد من بيع هذه الفوانيس تراجع، ولكن ما زلنا نكسب منها ومستورين والحمد لله».. مشيرًا إلى أنهم قبل سنوات كانوا يبيعون بين 50 و 60 فانوسًا في اليوم قبل شهر رمضان، والآن بين 10 و 15 فانوسًا فقط.
وأرجع ذلك إلى غزو الصيني للبلاد، وقال إنهم كانوا من الممكن أن ينافسوا بقوة إلا أن المستوردين للفوانيس الصيني شكَّلوا مراكز بيع في كل أنحاء مصر، فتجد مئات الصبية والبائعين يحملونها في أيديهم ويجوبون المقاهي والأحياء، كما أن أماكن بيع الفوانيس الصينية كثيرة وغير مرخَّصة، حيث يوجدون أمام المحال في الشوارع الرئيسية والجانبية، وهذا ما جعل الفانوس الصيني أمام أعين الناس باستمرار، وسهَّل من مهمتهم في البحث عنه أو الذهاب إلى أماكن بعيدة توجد فيها محال الفانوس المصري.
وتوقع أن يتحرك صنَّاع الفانوس المصري القديم العام المقبل لاغراء بائعي الفانوس الصيني بوضع الفانوس المصري القديم جنبًا إلى جنب وعلى طاولة واحدة، وقال في هذه الحالة ستكون المنافسة قوية بل قد يكتسح الفانوس المصري الصيني.
ولكن محمد إبراهيم، صاحب محل مجاور له، تدخَّل في الحديث.. مؤكدًا أن رهان الفانوس الصيني كان على الأطفال وصغار السن من خلال اختيار نجوم لأسمائهم وقع طيب في نفوس هؤلاء الصغار، وزاد على ذلك أنها تتضمن أغنيات دينية بموسيقى محببة لهم، ولذلك لا بد من قدر بسيط من التطوير للفانوس المصري القديم مع الاحتفاظ بشكله المعروف والتاريخي مثل الإضاءة وإدخال الأغنيات وتجميل الصفيح والزجاج الذي يُصنع منه، وقال هناك كثير من الأفكار يمكن أن تجعل الفانوس القديم يعود إلى الساحة.
وفي النهاية سيظل الباب مفتوحًا للصراع على مزاج المواطن المصري بين الفانوس المصري القديم والصيني الوارد بقوة وبكل تقنياته وجمالياته، ويتضح من الحوارات مع أصحاب الفانوس القديم أن شهيتهم انفتحت للتحدي والتطوير والتسويق، والعام المقبل سيشهد معركة جديدة قد يفيق الفانوس المصري من غفوته ويتقدم السباق.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

