سكرتير سيدة أعمال، مصطلح لم يعد جديدا في قاموس حياتنا الاجتماعية، بعد أن شق طريقه في تكريس أوضاع ومفاهيم تقتضيها متطلبات العصر؛ فمثلما ظلت مهنة السكرتيرة الخاصة تمثل صداعا مؤلما في رأس المجتمع، بما أفرزته من نتائج سلبية على الأسرة العربية، من ارتفاع نسبة زواج المديرين بسكرتيراتهم سرا وعلانية، وتفكك آلاف الأسر نتيجة علاقات غير شرعية بين بعض رجال الأعمال وسكرتيراتهم، فجاءت وظيفة سكرتير المديرة أو صاحبة الشركة في الأعوام القليلة الفائتة لتحدث أرقا كبيرا في المجتمع العربي المحافظ.

«الحواس الخمس» التقت عددا من سيدات الأعمال لسؤالهن عن رأيهن في اتخاذ سيدة الأعمال لرجل سكرتيرا خاصا، وموقف الزوج حين يرى سكرتير زوجته وقد أصبح أحد أفراد العائلة، وهل يمكن لسيدة الأعمال أن تستعيض عن السكرتير الرجل بأخرى من بنات جنسها لدرء مثل هذه المشكلات؟ تابعوا التفاصيل.

شهدت السنوات الأخيرة قيام العشرات من جمعيات سيدات الأعمال والمؤسسات والمنظمات التي تعمل على تنظيم تكتلات اقتصادية نسائية، ومساعدتها على مجابهة طموحاتها مثل الرجل، وهو ما تتفق معه نائلة علوبة، سيدة الأعمال المصرية، مؤكدة أن هناك طفرة هائلة في أوضاع المرأة العربية، والخليجية بوجه خاص.

حيث استطاعت أن تفرض نفسها على مجتمع الأعمال الذي ظل الرجل هو المحتكر الأول له حتى عقد مضى، ما دفع البنوك والمؤسسات الاقتصادية الدولية إلى السعي الحثيث لاستقطابهن واستثمار خبراتهن.

هذا الوضع الجيد، كما تقول سيدة الأعمال، استتبع مجموعة من المتغيرات الأخرى المتعلقة بأنماط التفكير والسلوك لدى المرأة العربية، فأصبحت تفكر بعقلية أكثر انفتاحا واتساعاً، ولم تعد حبيسة الأفكار التقليدية التي تعوقها عن النجاح، بينما تتاح كل السبل لدعم الرجل، ولتستعين في عملها بجميع الوسائل التكنولوجية والمعرفية الحديثة، ومن هذا المنطلق ليس من المنطقي أن ترفض الاستعانة بشخص ذي خبرة، ولديه القدرة على العمل الفعال لمجرد كونه رجلا.

مشكلات اجتماعية

وتعترف ليان الراضي، عضوة جمعية سيدات الأعمال ومديرة إحدى السلاسل التجارية بأن هناك، بالفعل، مشكلات اجتماعية تنجم عن وجود سكرتير أو مدير أعمال خاص لسيدة الأعمال، في أي مجال استثماري أو غير استثماري، خصوصا إذا كانت هذه المرأة شابة، لأن النظرة الذكورية لاتزال مسيطرة على مجتمعنا الشرقي، وبناء على تجربة شخصية مررت بها أرى أن اختيار السكرتيرة الأنثى أفضل كثيرا، تجنبا لهذه المشكلات.

وليس من الصعب إيجاد فتاة تتمتع بصفات جيدة تؤهلها للقيام بهذا العمل، حتى إذا تطلب العمل السفر خارج البلاد لفترات طويلة، وإجراء معاملات مع جنسيات مختلفة، بل ربما تكون الفتاة أكثر لباقة وسرعة في إنجاز هذه المهام.

تضيف: هناك مشكلات قد تنجم عن العمل بين مساعدين من الرجال لا تكون في الحسبان، ففي بداية عملي - على سبيل المثال وكانت شركتي لاتزال في خطواتها الأولى - كنت أعمل مع ستة رجال، يتولى أحدهم إدارة مكتبي.

وكنت أتحرج لدى استقباله في منزلي في أوقات كثيرة، خصوصا أنني زوجة وأم لطفلين، وفيما بعد تجنبت ذلك، واخترت فتاة مقربة للقيام بهذا العمل، ولاتزال ماثلة في ذهني الأحداث التي مرت بها إحدى زميلاتي منذ نحو أعوام، حين نشبت مشاجرة بين زوجها ومدير أعمالها وصلت إلى أقسام الشرطة، وظلت مادة ثرية على صفحات الجرائد والمجلات لفترة طويلة، أثرت في عملها، ودمرت مستقبلها.

السكرتيرة أفضل

بينما ترى سيدة الأعمال إيمان بيبرس، أن المرأة السكرتيرة هي الأقدر على القيام بمهام هذه الوظيفة بصورة أفضل، سواء عملت تحت رئاسة امرأة أو رجل، فالرجل العربي يتعمد وضع العراقيل أمام المرأة، حتى يعوق تقدمها ونجاحها، فلا يزال العربي ذا طابع متشدد، ينظر للمرأة على أنها عورة لابد من إخفائها.

وتؤكد أن المرأة أكثر تفوقا من الرجل في مجالات استثمارية كثيرة، خصوصا الإعلام والسياحة والإدارة، لأنها ذات طبيعة تميل إلى الهدوء والسكينة، ومن ثم فهي تعمل على قيادة عملها بسلاسة، وتوفر له جميع سبل النجاح، أما إذا اضطرت إلى الاستعانة بسكرتير أو مدير أعمال، فعليها أن تكون في غاية الحرص والحذر، لأن الرجل يعتقد في قرارة نفسه أنه أقوى منها، وأنها أقل ذكاء وقدرة، وربما يظن أن في إمكانه خداعها والاستيلاء على مكانتها.

تمييز مرفوض

في حين ترى سيدة الأعمال هالة الطنوحي، أن حصر الرجل في هذه الصفات فيه ظلم كبير له، وترى أن الدعوة إلى اعتماد سيدة الأعمال على سيدة مثلها في إدارة أعمالها تعتبر نوعا من التمييز الجنسي الذي ظلت المرأة تعاني منه، ولاتزال، وبالتالي فهو أمر مرفوض شكلا ومضمونا.

ومن وجهة نظري فإن الرجل في هذه الحالة سيكون أكثر جدوى من المرأة، لأن مجتمع الأعمال العربي قوامه الأساسي من الرجال، ولا تشكل المرأة به سوى أقل من خمسة في المائة، ما يعني أن وجود السكرتير الرجل بمثابة سفير للمرأة في التعامل مع أفراد هذا المجتمع، وكيفية فهم نمط تفكيره.

وتصرفاته أمر في غاية الأهمية، وهنا لابد أن أشير إلى أن سيدة الأعمال، بصفة عامة، امرأة متعلمة، مثقفة، تجيد العلاقات العامة، فضلا عن كونها تنتمي إلى وسط طبقي معين، أكثر ثقافة وتحضرا، ومن ثم فهي أكثر إدراكاً لطبيعة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، وتتفهم متطلبات عملها.

كما أنه من المؤكد أن أفراد أسرتها ومحيطها العائلي يتفهمون ذلك أيضاً، وبالتالي فليست هناك أدنى مشكلة، وإذا كان المجتمع يتحفظ على هذا النوع من العلاقات فهذه مشكلة المجتمع وليست مشكلة المرأة.

فريسة سهلة

أما الدكتور منصور أبو زيد، أستاذ الإدارة العامة، فيحذر من خطورة انتشار ظاهرة استعانة المرأة بمدير أعمال أو سكرتير خاص على نفس شاكلة سيدات الأعمال الغربيات، ويحذر من أن تسلم بعض السيدات مقاليد أمور شركاتها لسكرتيرها الخاص، بناء على أسباب عاطفية، لأنه في الغالب سيصدر قرارات في غير صالح الشركة لقلة إمكاناته وخبراته.

وهناك حالات كثيرة لمشروعات كبرى وشركات تدهورت وتوقفت لمجرد أن أصحابها أسلموا قيادتها للسكرتير أو السكرتيرة نتيجة ضعف شخصياتهم، وهو أمر وارد أن يكون الإنسان ناجحا عمليا وذا مهارات عملية، لكنه ضعيف الشخصية تجاه الجنس الآخر، والمرأة على وجه الخصوص أكثر ضعفاً من الرجل، ويمكن احتواؤها، خصوصا إذا أضفنا أن نسبة من صاحبات هذه المشاريع الناجحة وسيدات الأعمال تعاني مشكلات اجتماعية كالوحدة، وعدم الاستقرار، والفشل في الحياة الزوجية، وبالتالي فقد تقع الوحدة منهن فريسة سهلة لمدير أعمالها.

إلى آفاق العولمة

وتقول الدكتورة عزة كريم، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية: هناك صورة ذهنية محددة حول مهنة السكرتيرة، انسحبت بدورها على كل من يعمل في هذه المهنة، حتى إن كان رجلا، ولكي نعرف حجم هذه الصورة علينا أن نعلم أن هناك آلاف الحالات من الزواج العرفي بين المديرين وسكرتيراتهم، مما ينبئ عن خطورة أن يحدث ما يشبه تبادل الأدوار.

وفي الحقيقة إن هذه الظاهرة تحتاج إلى كثير من الدراسات المتعمقة، نظرا لتشابك خيوطها وتداخلها وتعدد مستويات النظر إليها، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فمثلما وجدنا السكرتيرة الخبيثة التي تحيك خيوطها للإيقاع بمديرها، الذي ربما يكبرها بعشرات الأعوام، قد نجد أيضا الشاب الوصولي الذي يشحذ أسلحته ليصل إلى قلب امرأة تستطيع أن تؤمن له متطلبات المعيشة والمستقبل المضمون.

ولا شك أن لهذا التفكير بعدا اقتصاديا نجم عن تدهور الأوضاع داخل المجتمع، فضلا عن تفسخ العلاقات الأسرية والبحث عن علاقات عاطفية بديلة في إطار العمل.

وهذا لا يعني التعميم، فالقاعدة الأساسية هي علاقة العمل ولا يجب أن نغفل أن المرأة العربية أصبحت امرأة عصرية تفكر بعقلانية وفاعلية، بعد انتشار التعليم والانفتاح على الثقافات المختلفة، وبعد أن خرجت من جدران العزلة إلى آفاق العولمة، مما يعني أنها تعي الغث من السمين، وتعرف كيف تنظم أوراقها.

القاهرة: دار الإعلام العربية