فيروز، ليست متعة غنائية عابرة في حياة مستمعيها، إنما ذاكرة وجدانية وصلت إلى حافة الاحترام الكلي، فلا يستقيم الصباح، ولا تحلو قهوته دون صوتها، وما يحصل اليوم من ضجة حول قضية حقوق الملكية الفكرية لأعمال الرحابنة، أثار حفيظة جمهور فيروز الكبير.
وأجج غضبا عارماً عند مستمعيها، وقد وصل هذا الغضب إلى المبدعين الذين أساءهم أن يمس اسم أسطورتهم؛ فعبروا عن وجهة نظرهم في الأمر، مؤكدين أن فيروز رمز يتعالى على الماديات.
الكاتب والروائي الفلسطيني، إبراهيم نصر الله، عبر عن وجهة نظره قائلا :نتحدث في العالم العربي، عن الفنان، باعتباره صورة لبلده وأمته وثقافته، وهذه حقيقة كبيرة، حتى ان بعض أسماء المبدعين أكبر من أسماء بلادهم في العالم، بل لعل احترام بلادهم العالمي يعود إلى أنها أنجبت هذا الفنان أو الفنانة، الكاتب أو الكاتبة، لكن الحقيقة الصادمة قائمة في تحويل الفنان إلى سلعة في حياته ومماته، وهذا بالمعنيين السلبي والايجابي.
فكثير من الكتاب والفنانين يتحولون إلى كنز يعمل الورثة على أخذ حصتهم منه بكل السبل، وهناك كثير من الكتاب والفنانين يتحولون إلى عبء حقيقي في حياتهم وفي موتهم، وقد رأيت بعض الناس يحاولون التخلص بأي ثمن من مكتبات آبائهم، وبالتالي التخلص من كل ما يمت إليهم، حتى مؤلفاتهم التي يعتبرونها أصل شقاء العائلة.
وهناك من يعتقد أن هذه المؤلفات مصدر غنى، ولذلك يعمل هؤلاء ما استطاعوا للمطالبة بحقوق عالية، وأعرف أناسا كانوا السبب في عدم نشر الأعمال الكاملة لآبائهم وأخوتهم لأنهم يريدون مبالغ عالية من مؤسسات ثقافية ليست ربحية أصلا قررت دعم نشر هذه الأعمال.
مسألة فيروز مسألة كبيرة، لأن فيروز فاضت كثيرا عن ضفتي لبنان، وبفنها أسهمت في اخضرارنا في كل مكان في العالم العربي، وكثير من أماكن العالم.
وحتى نكون منصفين، فإن وراء فيروز فنانين كبارا، كتابا وملحنين، وهم جناح فيروز الثاني، وهم جزء من اخضرار أرواحنا عبر رسائلهم التي حملها صوت فيروز لنا.
ويضيف إبراهيم نصر الله أن المسألة في اعتقادي، هي أن ليس هناك من يشكك في حقوقهم المادية قبل المعنوية، ولكن المشكلة في الطريقة التي تم اقتياد الأمور فيها إلى مربع الفضيحة، حين يعاد اختزال الفن ليتحول إلى مادة فقط.
ويكون بالتالي تقديمه أو عدم تقديمه رهينة لهذه الشروط المسبقة، قد لا يتخيل أحفاد هؤلاء الفنانين، الذين نعتز بدور آبائهم ونحترم دورهم في حياتنا، كم أصابونا، كأمة، في العمق حين أوصلوا الأمور إلى هذا الحد، لكننا على الرغم من ذلك سنعمل على أن نسمع فنهم وفن فيروز، كما كنا نسمعه دائما كبراءة لا تشوبها فضيحة؛ فضيحة بهذا الحجم.
الكاتبة الكويتية سعدية مفرح فقد قالت لا أعرف تفاصيل الحكاية القانونية وملابساتها، التى أوصلتها الى هذا الحد المخجل بين فيروز وأبناء منصور الرحباني، لكنني أعرف ان ليس من حق أي أحد أن يمنع فيروز من الغناء تحت أي مبرر كان.
فيروز ليست فنانة عادية لتتم محاسبتها على ما تغنيه وفقا لحسابات الربح والخسارة من قبل من لم يشارك، ولو بنغمة واحدة في بناء سلمها الموسيقى الذي تصاعد بنا نحو النجوم عمرا كاملا. وفيروز ليست تركة لأحد ، حتى لو كان هذا الحد هو الأخوان رحباني، فعلى الرغم من أنهما أسهما في صقل هذا الصوت الذهبي وتقديمه بهذا السياق المبهر إلى الذائقة العربية على مدى أكثر من نصف قرن إلا أن هذا لا يحولها لأي تركة لهما أو لأبنائهما.
ولو كان لهؤلاء الابناء حقوق فلا ينبغي عليهم تحصيلها بهذه الطريقة التي تؤثر على أسمائهم الشخصية لا على تاريخ عائلتهم الفني، والذي لن تشوبه شائبة بعد ان رحل مؤسسوه.
وتضيف أن هؤلاء مدرجون في صفوف الفن أيضا ووارثون للاسم الرحباني المهيب في تاريخ الطرب العربي، ولذلك سيكون عتابنا لهم واستغرابنا مما فعلوه مضاعفا. ولأسئلتنا أن تكون أكثر قسوة ؛ فمن أين جاؤوا بكل هذه الجسارة لكي يطالبوا بمنع فيروز من الغناء؟
كيف خانتهم حساباتهم الفنية والاعلامية ليتفاجأوا، كما هو واضح من ردود فعلهم الممعنة في الاساءة الى الصوت الفيروزي، بوقوف الاعلام العربي كله الى جانب فيروز في معركتهم ضدها، هي الجالسة على شرفة القمر تنتظر بصمت وتنظر بألم للمشهد الصاخب تحت تلك الشرفة المضيئة؟ لماذا الآن يطالبون بما يعتبرونه حقهم، وهم يعرفون سنن الحياة وتصاريف الزمن، ويدركون أن فيروز التي بلغت من العمر عتيا إن استطاعت أن تغني اليوم فقد لا تستطيع غدا؟
وتقول سعدية مفرح: أفهم ان المشاكل، أي مشاكل، تبدأ بين الورثة، أي ورثة، غالبا بعد ان تنتهي ترتيبات الجنازة، لكن فيروز لم تمت بعد لكي يختلف المختلفون على تركتها، وهي لم تغادر هذا العالم ليكون ما تغنيه إرثا للورثة، ولو حدث، بعد عمر طويل مليء بالإبداع، فإرثها لنا جميعا، نحن الذين نشأنا على صوتها وندين له وللرحبانية بالكثير مما استقر في ذائقتنا من جمال، ولا يحق لأحد أن يمنعنا من الوصول اليه تحت أي مبرر.
لو كان لأبناء منصور الرحباني حق فيما تغنيه فيروز فلا ينبغي ان يؤخذ هذا الحق بهذه الطريقة، لكن أجمل ما في الحكاية كلها أن فيروز على الرغم من كل هذا الضجيج الذي أحدثه ويحدثه المطالبون بمنعها من الغناء، وكذلك المدافعون عن حقها في الغناء ، ونحن منهم ، ظلت جالسة في شرفتها القمرية صامتة لا ندري ان كانت تفكر بنغمة جديدة بمعية النجوم ان تتألم مما يحدث تحت.
الكاتب والاعلامي العراقي فاروق سلوم يقول: فيروز هي فجر مشتعل لموسيقى ذابلة استطاعت ان تضييء ليلها بكلمة وموسيقى ونبرة خاصة في الأداء. على يديها انفضت كل الأقوال المقدسة او الشيطانية حول قوالب الموسيقى الشرقية المغلقة، واقصد هنا غناءها وموسيقى الرحابنة وشجرة العائلة الأخوة والأبناء والأحفاد.
وقد وجدت ان الإبداع عابر لكل ما يلحقه بالواقع من نفعية وصراع مصالح وبالفن تذوب الحدود بين المكر والطيب العدل والظلم الطمع او العطاء ذلك ان الفن اشتعال دائم نحو خلاص مستحيل، وهنا في ما تتعرض له قضية الحقوق الفنيه يتدخل العبث الأرضي والتهديد وجنون الامتلاك وكأن العالم مقفرٌ من كل احتمال للتسويات الممكنة، وكنت دائما اعلّق آمالا على عدالة فكرة فيروز عن الحب والحياة، وحقهما في البقاء بغية الوصول الى اشراق خارج عتمة المال وصراعه الشرقي.
كما كنت دائما ضد تعريض هذه السيدة الى ما يضعها خارج الحلم: المحاكم واختلاف المصالح، واني ليتملكني التفاؤل المفرط ان ثمة وعيا للتسوية يخرج فيروز من محنة الصراع والعادي الى منطقة الجمال المترفع عما هو ارضي من جديد.
دبي- دلال جويد
