أتذكر الآن أن ما اشتهر عن البدناء من خفة دم كانت مخرجاً للكثيرين من الحرج عندما يتحدثون عن السمان، فما أكثر ما قيل: يا أخي أنت سمين بشكل! وقبل أن أفغر فمي تعجباً من عبارة وقحة ترد بلا مناسبة، وتقال بلا أحم ولا دستور، يتدارك محدثي الوضع فيسكب ماء على نار أوشك على إيقادها بقول: «بس ولكن دمك خفيف، ومع أن منطق الجملة بكفتيها
يبدو متناقضاً لكل ذي لب، خلافاً لافتقاره مقومات الأدب والذوق، إلا أني أعرض عن التفاصيل إيماناً بأن الحسنات يذهبن السيئات»؛ هذه إحدى فقرات كتاب «مذكرات سمين سابق» للإعلامي السعودي تركي الدخيل الذي أنقص من وزنه أكثر من تسعين كيلو غراما، ووثق تجربة مع البدانة وخفة الدم التي كان يشهرها بوجه الناس حين يشعر بنظراتهم تحاصره.
ويتفق كثير من الناس على أن البدناء يمتلكون قدرا عاليا من الظرف وخفة الدم، فتقول عبير اللامي، موظفة، لم أرَ شخصا بدينا، الا وكان دمه خفيفا، وأعتقد أن هؤلاء الناس يمتلكون حسا عاليا بالفكاهة ليلفتوا نظر الناس الى الامور الايجابية فيهم، ويقدموا أنفسهم بشكل جديد يغطي شعورهم بالنقص بسبب البدانة، وغالبا نسمعهم يطلقون النكات عن انفسهم، ويروون المواقف الطريفة التي تحصل بسبب سمنتهم.
قحطان الزيدي، موظف، يقول: اعتقد أن فكرة أن البدناء خفيفو الظل جاءت بسبب ما يقدم على شاشة التلفزيون، حيث نجد أن كثيرا من نجوم الفكاهة هم من البدناء، وكذلك المشاهد الفكاهية التي تتناول ضخام البنية واصحاب الاوزان الكبيرة وهو أمر يمكن أن نراه كذلك منطبقا على الأقزام، وليس خاصا بالبدناء فقط، لذا اعتقد أن تكريس فكرة ظرف البدناء قادمة من الصورة الاعلامية وليس من الحقيقة فطباع الناس تختلف ولا يمكن أن نصف الجميع بوصف واحد لمجرد تشابههم في وصف جسماني.
وترى هديل خالد أن كثيرا من البدناء يبدون لطافا، لكننا لا نستطيع التعميم على الجميع مثلما لا يمكن تعميم أي صفة أخرى على جميع الناس، لذا اعتقد أن ظرفهم نابع من رغبتهم بالحصول على محبة الناس وقبولهم، خصوصا أن النظرة إلى البدانة أصبحت نظرة فوقية.
ولنجلاء يعقوب، مهندسة اتصالات، رأي مميز، إذ تقول معظم البدناء وأنا منهم يكونون ظرفاء بسبب أنهم يمتلكون قلوبا طيبة ولا يرغبون بإيذاء الآخرين وهم يفرغون غضبهم وثورتهم بتناول الطعام وبالتالي فهم لا يعبرون للآخرين عن سخطهم، وإنما يحتفظون بهدوئهم وابتسامتهم بينما يتحول كبتهم لغضبهم إلى شراهة للطعام واقبال عليه.
من الناحية النفسية يرى الدكتور علي الحرجان، اختصاصي الأمراض النفسية، أن كثيرا من الدراسات السلوكية أكدت أن البدناء يتمتعون بخفة الدم والظرافة، وهو أمر ناتج عن رغبتهم في الحصول على القبول الاجتماعي، فهم يميلون إلى المشاركة في المناسبات الاجتماعية التي تقدم فيها الاطعمة في أجواء اجتماعية مرحة، وهو أمر لا ينطبق على الجميع.
إضافة إلى أن السمنة قد تسبب لأصحابها إحباطات ومشاكل نفسية وصحية وجنسية، الأمر الذي ينعكس على سلوكهم ويجعلهم يتصرفون بطرق مبالغ فيها في إظهار سعادتهم وظرفهم ولطفهم مع الناس لتعويض الشعور بالنقص والاحباط الذي يضغط عليهم بسبب مظهرهم البدين.
ويعتقد أن ظرف البدناء يعود إلى أنواع الأطعمة التي يتناولونها، حيث تقول رانية سلامة إن الأطعمة التي يتناولها البدناء تحتوي على الرز والخبز والبطاطا والحلويات والمشروبات التي تحتوي على السكر.
إضافة إلى الموز، ولا ننسى بالتأكيد الشوكولاته، وكل تلك الأطعمة تحتوي على السكريات التي تؤدي الى زيادة مستوى الحامض الأميني التريبتوفان في الدم، وبالتالي الى زيادة مستوى الناقل العصبي السيروتونين المتحكم في المزاج والشعور بالسعادة ما يعني أن البدناء يتناولون الاطعمة المحرضة على السعادة، وهو يتوقون إليها ولا يتمالكون أنفسهم أمامها لوجود نوع من الإدمان عليه حيث يؤدي التعود على تلك الاطعمة إلى الشعور بالنقص حين مفارقتها، وهو أمر يزيد الطلب عليها ويجعلها أكثر حضورا في اطعمة البدناء، واعتقد أن تلك الأطعمة تؤثر تأثيرا كبيرا في ميل البدناء إلى افشاء جو السعادة ونشر المرح حولهم.
دبي- دلال جويد
