منتصف العمر، مرحلة حاسمة في حياة كل رجل، ففيها يمر بتحولات فسيولوجية ونفسية تضعه على محك الاختيار بين أمور إما أن ترسِّخ اتزانه أو تهوي به 25 عامًا إلى مرحلة المراهقة، فيما أصبح يطلق عليه حاليًا «أزمة منتصف العمر».

وفيها يتوهَّم أيضًا أن أجمل سنوات عمره انقضت دون أن يحقق إشباعًا عاطفيًا أو يحقق أحلامه، فتتحوَّل الأزمة في بعض الأحيان إلى قنبلة اجتماعية تنسف الأسرة وتزعزع استقرارها، فكيف يمكن التغلب عليها؟ وما دور المرأة في تجاوزها؟

قبل سنوات قليلة، لم تفارق علامات التعجب وجوه كثير ممن تابعوا الصحف والمجلات الفنية التي تصدرتها صور زفاف الفنان حسين فهمي من الممثلة الشابة لقاء سويدان، التي تصغره بنحو 30 عامًا، وقد سبق له الزواج أكثر من مرة، وهو الزواج الذي تم بعد أقل من شهرين من زواج شقيقه الأصغر النجم مصطفى فهمي والفنانة رانيا فريد شوقي.

اللذين سبق لهما أيضًا تجارب زواج متعددة، ما فتح الباب أمام سيل من التكهنات حول مرور «آل فهمي» بأزمة منتصف العمر، على الرغم من تخطيهما هذه المرحلة منذ سنوات، أم أن مثل هذه الزيجات تتم في إطار خاص من المصالح المشتركة بعيدًا عن العلاقات الإنسانية، وهذا ما يدفعنا إلى استعراض عدد من النماذج التي واجهت هذه المشكلة.

بأعصاب حاولت أن تكون هادئة إلى أبعد الحدود قالت «نادية حسن»: «تزوجت قبل 6 أعوام، ويعمل زوجي صحفيًا، ومنذ اليوم الأول لزواجنا صارحني بأنه ممن يؤمنون بفكرة تعدد الزوجات، وأن علي أن أتوقع زواجه في أي يوم من الأيام.

ولأنني كنت ساذجة لم آخذ كلامه على محمل الجد، بل اعتقدت الأمر لا يعدو أن يكون مداعبة منه، لكن أيام الزواج الأولى مرَّت وراح يكرر مطلبه داعيًا إياي أن أبحث له عن زوجة أو حبيبة بدلاً من أن يقوم هو بذلك من ورائي».

التقطت أنفاسها المتهدجة قبل أن تواصل: «على الرغم من أن زوجي لم يصل بعد إلى سن الأربعين إلا أنه دائمًا ما يحن إلى النساء حتى لو كان ذلك في حضوري، وحجته في ذلك أنه لا يريد أن يخونني أو يفعل شيئًا بدون علمي.

وبالطبع كان من الممكن أن أنهي حياتي الزوجية لكن ذلك عسير جدًا لسببين، أولهما وجود ثلاثة أبناء بيننا، وثانيًا أنه شخص نقي طيب القلب ومن الصعب أن أجد مثيلاً له.. فماذا أفعل؟ أأزوجه كما يطالبني أم أتركه نادمة؟»

الدفء العاطفي

بدوره، يؤكد «راشد عبدالحميد» في الأربعين من عمره أن للرجل احتياجات نفسية وفسيولوجية متعددة قد لا تكفي امرأة واحدة للوفاء بها، ولذلك يسعى البعض للزواج أكثر من مرة.. موضحًا أنه ومن خلال تجربته الشخصية وجد إهمالاً من زوجته التي يحبها كثيرًا بسبب انشغالها في متابعة الأبناء والأعباء المنزلية، ما أفقد علاقتهما الدفء الزوجي.

فكان ذلك مبررًا - من وجهة نظره - للبحث عن الدفء العاطفي في مكان آخر، كانت عبارة عن علاقات عابرة ببعض العاملات في شركته، لكنها لم ترقَ إلى علاقات الزواج.

أقل الخسائر

لكن «هدى منصور»، مُدرسة، فتعتبر هذه المرحلة من أخطر المراحل التي قد تعصف بالأسرة ما لم يتكاتف الزوجان للخروج منها بأقل الخسائر..

موضحة أن إحدى صديقاتها تعرَّضت لهدم أسرتها نتيجة قيام زوجها بعلاقات نسائية عديدة انتهت بضبطه في إحدى القضايا الأخلاقية في حادثة نشرتها الصحف، ما شكَّل فضيحة مدوية للأسرة وصدمة لكل مَن يعرف هذا الزوج، لاسيما أنه يحظى بهالة من الاحترام والوقار في مجتمعه، وكان يعتبر نموذجًا للاستقامة!!..

علاقات غير أخلاقية

أما «مصطفى محمد»، مترجم، فيرفض أن تتحمل الزوجة وحدها عبء المشكلة التي يصنعها الرجل.. موضحًا أن بعض الأزواج يرتكبون أمورًا مؤذية نفسيًا للزوجة، تشمل أحيانًا علاقات عاطفية تصل في أحيان كثيرة لأن تكون غير أخلاقية.

وعندما يكون الوضع النفسي للزوجة صعبًا تفتقر إدراك أبعاد ما يمر به زوجها، وبعض الزوجات تُصاب بانهيار وتكون مشوشة ولا تعني أنها أزمة وتمر، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أنه على الزوجة أن تكون متفهِّمة، وأن تتحلَّى بالصبر لاعتبارات كثيرة خاصة خلال هذه الفترة، لأن بعض الأزواج قد يقعون في مواقف غير لائقة اجتماعيًا خلال هذه الفترة.

الرأي النفسي

د. محمد المهدي، استشاري الطب النفسي يقول: «أحيانًا تكون أزمة منتصف العمر عند الرجل ناتجة عن عدم النضج العاطفي، وعدم إشباع تلك المشاعر في سن المراهقة والشباب، وهذه الحالة في حاجة إلى اللجوء لطبيب نفسي حتى لا تتفاقم المشكلة عند الرجل.

ويجد نفسه في مشاكل هو في غنى عنها، لاسيما أن الواقع يؤكد أن العلاقات التي يخوضها الرجال خلال مرورهم بهذه الأزمة لا يُكتب لها النجاح، وتكون لها نتائج وخيمة عليه وعلى الآخرين.

أعراض تلك المرحلة تتمثل في شعور الرجل بالتوتر المستمر ونهاية الحياة ما يسبب ردود فعل أخرى، حيث تتراجع القدرة لديه على تعلُّم الأشياء الجديدة والرغبة في الوحدة، ويقوم بتغييرات جذرية على مظهره الخارجي.

ويعبِّر باستمرار عن حنينه للماضي، ثم يتخلَّف تدريجيًا عن مسؤوليات المنزل، وتظهر عليه علامات الاكتئاب كالنوم الكثير، وفقدان الشهية والاستيقاظ عند منتصف الليل، وهي محاولات لرأب الذات ما تصدع منها».

ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن شعور الزوج خلال هذه المرحلة بالملل والفتور، وعدم تكيُّفه مع رغبات الآخر في هذه السن ما يؤدي إلى الانفصام النفسي والوجداني والفكري، فهي عملية نفسية ولا علاقة لها بالجانب الفسيولوجي، ولا نستطيع أن نلقي باللائمة على الزوج أو الزوجة، فربما اشترك الزوجان في الأسباب نفسها، وربما كان أحدهما أكثر تسببًا.

طبيعة المرحلة

أما د. سناء الشافعي، أستاذ الاجتماع بمعهد الخدمة الاجتماعية بالقاهرة، فتؤكد أن كثيرًا من الرجال لا يعلمون بطبيعة هذه المرحلة من عمرهم، وأنهم عندما يصلون إلى هذه السن لا يجدون حلاً للكآبة التي تسيطر على حياتهم، ويواجهون في الوقت نفسه مشاكسات زوجاتهم اللاتي لا يتفهمن احتياجات أزواجهن النفسية والعاطفية في هذه الفترة.

وتبدأ بعدها المرحلة الثانية حيث يهجر الأزواج منازلهم، وبعضهم يدخل في علاقات مع فتيات صغيرات وقد يصل الأمر إلى الزواج العرفي.. وتكشف أن 60% ممن يُقدمون على الزواج العرفي ممن يمرون بأزمة منتصف العمر، ويلجأ بعض هؤلاء إلى إقامة علاقات محرَّمة متناسين ما عليهم من مسؤولية أسرية.

تضيف أن جانبًا كبيرًا من مشاكل الرجال خلال أزمة منتصف العمر يمكن التخفيف منها لو أدركت كل زوجة أن زوجها في حاجة لها، وتؤكد ضرورة أن تدرك المرأة أن زوجها يعاني من أعباء نفسية خلال هذه الفترة، وأنها لو صبرت وساعدته على اجتياز تلك المرحلة فلن يكون هناك انفصال أو طلاق..

مؤكدة أن تجاوز الأزمة مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة، وأن الصبر والصراحة كفيلان بأن يُعيدا الحياة إلى مجاريها، وعلى الزوج ألا يكون معاندًا أو مكابرًا، ويجب أن يعلم أن الاعتذار يعني كثيرًا للمرأة، وأن يعملا على لمِّ شمل الأسرة من جديد.

الدعم المعنوي

إلى ذلك يوضح المفكر الإسلامي د.عبدالمعطي بيومي أن رسالة الإسلام رسالة حب لكل زمان ومكان، وضرب مثلاً بالنبي محمد حينما عاش مع السيدة خديجة، رضي الله عنها، 25 عامًا كلها محبة وسعادة، فلما ماتت لم ينسَ هذه الأعوام واستمر يذكرها بالخير.

ويبر أصحابها ويتابع أخبار من كانت تحبهن حبًا ووفاءً لها، وفي ذلك دليل على أن الحب يمكن أن يستمر لما بعد الخمسين.. مشيرًا إلى أن من قيمنا المرتبطة بالحب الإخلاص والوفاء والتضحية بل الأصل في الحب أن يكون في الله ولله، حتى ولو كان بين الزوجين، وهذا مفهوم راق من مفاهيم الحب.

ولاستمرار الحب علامات - كما يقول «بيومي» - منها الدعم المعنوي والمادي، حفظ الأسرار، التقدير والاحترام، الحديث عن المستقبل، اللمسات الحانية، الوقوف مع الحبيب في الفرح والترح، بالإضافة للتعبير عن الحب.