غاب السيناريست فغابت الأعمال الفنية ذات الرؤية، وبما أنه لا يوجد شيء دون نقطة بداية، فإن بداية العمل الفني تتمثل في فكرة لدى الكاتب أو ما يطلق عليه مصطلح «السيناريست»، لكن الفكرة وحدها لا تكفي لصناعة عمل فني ناجح، فهي في حاجة إلى معالجة جيدة ورؤية فنية مختلفة ومحددة
ثم يتناولها المخرج بعد نقاش بنّاء ويحوِّلها إلى عمل فني متماسك من خلال اختياره للممثلين الذين يستوعبون الفكرة، وتكتمل عناصر العمل من إضاءة وديكور ومنفذين لتعليمات المخرج، فيُنتج في النهاية عمل فني مبدع يسمو بفكر المشاهد..إلا أن هذا التراتب الهرمي قد تم تدميره على يد صناع الفن الحاليين، حيث تراجعت نجومية السيناريست بفعل المناخ العام الذي لا يتيح الفرصة لخلق نجوم في مجال الكتابة والتأليف، بينما في المقابل يمنح النجومية كاملة للمخرج وبطل العمل، حيث يصبحان المتحدث الرسمي عن النص.
كانت الدراما التليفزيونية والسينما يسيران وفق القانون المحدد سلفًا، وهو البناء من أسفل ثم الصعود إلى قمة الهرم، أما ما يحدث حاليا من سياسة «الهرم المقلوب» وتقبلها من جهة كتَّاب السيناريو حاليا، فهو قراءة للآية بالمقلوب، بعد أن تحوَّل السيناريست إلى أداة في يد المخرج والممثل النجم والمنتج، فصار يجلس مثل «الترزي» لينفذ ما يقوله المخرج أو الممثل أو الممثلة، فيحيك أدوارا تليق بالنجم «فلان» أو شخصية مرسومة فقط على الفنانة «فلانة». وكل ذلك من أجل حفنة أموال توضع في جيبه، فيبيع بها وجهة نظره وأفكاره، فصار يلعب دور كومبارس العمل الفني، في حين تصدَّر النجوم والمخرجون والمنتجون أحيانا ساحات الأعمال الفنية حسب رؤاهم الخاصة ورغباتهم في أن يؤدوا كل الأدوار، ويغيب المحرك القديم الذي كان يسمى في سالف الفن «السيناريست».
وفي ظل هذا الغياب لقيمة السيناريست، خرجت أفكار ركيكة إلى الحياة الفنية وتولَّدت أزمة نصوص في كل ميادين الفنون المرئية، وظهرت حلول مشوَّهة لهذه الأزمة مثل «ورش كتابة السيناريو» التي انتشرت بصورة تدعو للقلق، وتسببت في هبوط مستوى الأعمال الفنية بدلاً من أن تكون طوق النجاة للوضع الراهن..
اختفاء السيناريست النجم
لا نحتاج إلى إثبات تراجع دور السيناريو لدينا في الوقت الحاضر سواء في السينما أم التليفزيون، خاصة في ظل غياب أسماء كبيرة كان الجمهور يتابع أعمالها حيث كانت بمثابة شهادة الجودة، وهذه الأسماء غنية عن التعريف، فمنها الراحل أسامة أنور عكاشة في الدراما التليفزيونية، الذي كان في الفترة الأخيرة الاستثناء الوحيد بين كتَّاب السيناريو التليفزيوني، بينما الآن صار الجمهور لا يعرف من هو مؤلف هذا المسلسل، بل باتت كل مسلسلات رمضان تنسب إلى الأبطال، مثل أن نقول مسلسل يحيى الفخراني، نور الشريف، أو ليلى علوي.
نفس الرؤية يتفق معها الكاتب والسيناريست وحيد حامد، مؤكدا أن كاتب السيناريو هو أهم شخصية في العمل الفني وظل على هذه الحال سنوات طويلة حتى جاءت اللحظة التي أصبح فيها النجم أو الفنان هو أهم ما في العمل الفني، يتدخل في كل كبيرة وصغيرة، ويقوم بعرض تصوراته عن العمل الفني، ويطالب بتعديل المشاهد وتوقيتاتها دون أن يكون على دراية بقواعد الكتابة السينمائية أو الدرامية، ولا يفكر إلا في مصلحته فقط، والكيفية التي سيراه عليها الجمهور..
لافتا أن هذا لم يحدث إلا في بداية التسعينيات أو قبلها بقليل حين انتشرت سينما «المقاولات»، ما أدى إلى اختفاء السيناريست النجم، لكن هذا لا يمنع أن هناك عددا من كتَّاب السيناريو ما زال متمسكا بمبادئه ولم يفرط فيها.
أضاف: الأزمات الاقتصادية المتكررة أطاحت بعدد من المنتجين وانتشرت الفضائيات التي تطلب أعمالاً بمواصفات خاصة، فيضطر المنتج إلى إملاء هذه المواصفات على كتَّاب السيناريو ليكتبوا أدوارا بالتفصيل على الممثلين، فأصبح الكاتب يحاول كشف عورات المجتمع لإرضاء المنتج، فتكون النتيجة أعمالاً ساذجة تدعو إلى الاشمئزاز، في حين أن السيناريوهات التي بذل فيها كتابها جهودا مضنية، لا ترى النور ولا تجد مَن يقدرها، لذلك قرر أصحابها أن تظل حبيسة الأدراج، لكونها تستحق إنتاجا متميزا غير متوافر في الوقت الحالي.
شراكة بالإكراه
ومع الوقت دخل المنتجون والنجوم في دائرة السيناريست، فأصبحوا شركاء في الكتابة بالإكراه، ووافق السيناريست على هذه الشراكة مفضلاً جني الأموال، ما زاد من تفاهة الأعمال وأدى ذلك بدوره إلى اختراق هذه المهنة من أناس يحاولون الاجتهاد لكن لا يصلون إلى درجة كتاب السيناريو المحترفين، فصار يطلق على أي شخص «كاتب».
وصارت الأفلام والمسلسلات مصنوعة من مادة مزيفة لم تنضج على نار الفكر، فانتشرت أخبار حول بعض النجوم الذين طرحوا أفكارا اعتبروها سيناريوهات من تأليفهم، كما فعل المطرب «سعد الصغير» الذي كتب بعض الخطوط العريضة لفيلم «المستشفى» بمساعدة أحد الصحافيين، في حين أنه يخلو من أدنى قواعد وأسس كتابة السيناريو، علاوة على افتقاده للإبداع والحس الفني.
رهان الخسارة
وكما فعل سعد الصغير قام الفنان طلعت زكريا بكتابة سيناريو فيلم «سعيد حركات» الذي يقوم بتصويره حاليا، ودخل بسبب تفاهة كتابته في أزمة كبيرة مع الرقابة على المصنفات الفنية، واعتبر هذا الفيلم تجربة تأليف أولى للفنان طلعت زكريا، وحين عرضه على جهاز السينما تم الاشتراط على أسرة العمل بأن تُعاد كتابة العمل على يد كاتب متخصص، إلا أن الفنان رفض وظل يراهن رهان الخسارة على جودة العمل.
فرفض جهاز السينما إنتاج العمل الذي دخل في مشاكل لمدة عامين مع ممدوح الليثي، رئيس الجهاز، وأخيرا قام مؤلف العمل بسحبه وعرضه على شركة أوسكار التي طالبته هي الأخرى بإجراء تعديلات عليه بعد أن أقرَّ د. رفيق الصبان أنه يحتاج إلى عملية ترقيع وتجميل، وفي النهاية خضع للضغوط وأسند مهمة إعادة كتابته للسيناريست عاطف بشاي..
ولمزيد من الدراما التي تحدث بين الممثلين وكتَّاب السيناريو، قامت الفنانة فيفي عبده بالتلاعب بالسيناريست عزت آدم الذي قام بكتابة سيناريو مسلسل «قمر» وقدمه للفنانة، ففوجئ بها تتجاهله وتكتب اسم الكاتبة «سمية عريشة» على تتر المسلسل بالرغم من أنه الكاتب الوحيد للحلقات باعتراف «سمية عريشة» نفسها، حيث استعانت بها فيفي عبده لتعديل السيناريو الذي رفض آدم تعديله حتى لا يختل النسيج الدرامي.
التفاهة الفنية
إزاء ذلك، يؤكد الكاتب والسيناريست بلال فضل أن كتَّاب السيناريو يتعرّضون لظلم شديد بتجاهل النجوم لهم، فكل الفنانين يعتبرون أن المؤلف يسلِّم النص المكتوب ويقبض أمواله، ويصبح السيناريو من حق المنتج والممثل يتلاعب فيه كيفما يريد.
وبالتالي أصبح السيناريست أقل المحطات قيمة في العمل الفني، الأمر الذي جعل الكثيرين يستسهلون الكتابة، فيقومون بتأليف مسلسل من 30 حلقة في شهرين بدلاً من عامين، فنتج عن الأزمة أزمات جديدة من بينها «التفاهة الفنية»، حيث أصبح المنتجون يبحثون عن كل ما هو تافه ولا يرقى إلى مرتبة الاحترام والفن.
وأضاف: إن هناك أزمة أخرى لدى بعض الكتَّاب وهي أن أغلبهم يعتقد أنه عبقري بالفطرة، وأنه يستحق أن يدفع له المنتجون الملايين في حين أن بعضهم يكتب معالجة لبعض الأعمال الغربية، ويظن أنه أتى بمعجزة، وأصبحت السرقات في مجال الكتابة من العوامل المهمة في مناقشة قضية تهميش كتاب السيناريو، لأن أغلبهم أساء إلى مهنة الكتابة بالسرقة التي يسميها البعض «اقتباسا» كي يخفف على نفسه عار الفضيحة.
ضياع هيبة
واتفق الكاتب يسري الجندي في القول بأن السيناريست حاليا أصبح مهموما بجمع الأموال بعيدا عن الإبداع، ما أدى في النهاية إلى ضياع هيبته أمام المنتجين ووصل به الحال إلى وضع القصة في يد المنتج ولا يراه بعدها، ويفاجأ بأن الفيلم أو المسلسل المعروض بعيد تماما عن الخطوط التي وضعها للنسيج الدرامي، ولا يستطيع تقديم أي شكوى ضد صناع العمل الفني، لأنه باع القصة وقبض حقه وتنازل عن قيمته الأدبية.
أضاف أن السينما أصبحت تعتمد على الصورة ولا تهتم بالقصة أو الأحداث.. مؤكدا أن الفوضى صارت عنوانا صريحا للوسط الفني في كل شيء، فهاجس تسويق العمل يسيطر على المنتجين، ما أدى إلى سيطرة أفلام ومسلسلات تجارية تجذب الإعلانات للقنوات الفضائية، ولم يعد هناك تفكير في قيمة فنية .
وبالتالي لا مجال للحديث عن سيناريو جيد، فتم تسخير القيم وإراقة دمائها تحت أقدام رأس المال سمة أساسية في هذا الزمان، فأصبح السيناريست مضطرا لركوب الموجة خاصة الكتَّاب الشباب منهم، وإلا فلن يُكتب له أي وجود في هذا الوسط.
القاهرة: دار الإعلام العربية


